
تشهد أسواق المعادن النفيسة اضطرابات حادة غير مسبوقة منذ عقود، حيث سجلت أسعار الذهب هبوطاً يومياً هو الأشد منذ عام 1983، بتراجع بلغ نحو 12%، لتصل إلى 4773 دولاراً للأوقية في التداولات المسائية، وفق ما أفادت به وكالة "رويترز". هذا التراجع المفاجئ يأتي في ظل موجة تقلبات عالمية قوية تضرب الأسواق المالية، وتغيرات حادة في توجهات المستثمرين، وسط حالة من عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
ولم تكن الفضة بمنأى عن هذه العاصفة، حيث هوت أسعارها في المعاملات الفورية بأكثر من 30%، لتستقر عند 80.49 دولاراً للأوقية، في تراجع غير مألوف يأتي بعد فترة من الارتفاعات التاريخية. يُذكر أن الفضة كانت قد تجاوزت حاجز 121 دولاراً للأونصة يوم الخميس، في سابقة تاريخية قبل أن تنقلب الموازين بشكل درامي في يوم واحد فقط.
الهبوط الحاد الذي تشهده الأسواق يأتي عقب أداء قوي وغير مسبوق للذهب والفضة خلال العام الماضي، حيث صعد الذهب بنسبة 65%، بينما قفزت الفضة بنسبة 150% خلال عام 2025، وسط إقبال عالمي واسع على الأصول الآمنة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والأزمات الاقتصادية. واستمرت هذه المكاسب بوتيرة ملحوظة خلال الأسابيع الأولى من عام 2026، إذ ارتفعت الفضة بنسبة 37% منذ بداية العام، بينما زاد الذهب بنسبة 15.4%، قبل أن تعكس الأسواق اتجاهها فجأة.
في تعليقه على هذا الانخفاض، قال مستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية والمالية، مظهر محمد صالح، إن ما يحدث ليس استثنائياً، بل يُعد "جزءاً من دورة أصول متلازمة" تحدث بصورة دورية في الأسواق المالية. وأوضح أن الذهب والفضة لا يمكن أن يواصلا الارتفاع بشكل خطي، إذ إن استمرار الصعود يُنتج ضغطاً على السيولة ويؤثر سلباً على فرص الاستثمار في أصول مالية أخرى، ما يفرض على الأسواق تصحيحاً طبيعياً لتوازن المحافظ الاستثمارية.
وأضاف صالح أن هذه التصحيحات، رغم قسوتها الظاهرة، تُعد صحية على المدى الطويل، وتمنح الأسواق فرصة لإعادة التوازن بين مختلف الأدوات الاستثمارية. ولفت إلى أن الذهب، رغم التراجع الحالي، سيظل محتفظاً بجاذبيته كملاذ آمن، خاصة في ظل استمرار الاضطرابات الجيوسياسية العالمية، قائلاً: "في أوقات الأزمات وعدم اليقين، يبقى المعدن الأصفر خياراً مفضلاً للتحوّط من الانهيارات".
انخفاض أسعار الذهب إلى ما دون 4800 دولار للأونصة لأول مرة منذ أشهر، بعد أن أغلق عند 5375.10 دولاراً في الجلسة السابقة، يعكس حجم الصدمة التي تلقتها الأسواق خلال الساعات الماضية، كما أن هبوط الفضة إلى أقل من 80 دولاراً للمرة الأولى منذ 12 يناير يوضح هشاشة التوازن الحالي في سوق المعادن الثمينة.
ورغم كل ذلك، تبقى التوقعات مفتوحة، إذ أشار صالح إلى أن الذهب قد يدخل لاحقاً في مرحلة من التوقعات السعرية التي تُتيح فرصاً للربح والمضاربة والتحوّط، مع تأقلم الأسواق مع المتغيرات في السياسات النقدية وأسواق الأسهم والعملات. ما يجري اليوم هو تذكير صارخ بأن الأسواق لا تسير في خط مستقيم، وأن ديناميكية الأصول المالية تفرض تصحيحات دورية، مهما كانت قاسية، لتعيد التوازن إلى المشهد الاقتصادي العالمي.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام