
في وقتٍ تتصاعد فيه الدعوات لتحقيق العدالة في توزيع الثروات بين المحافظات العراقية، يكشف تقرير رسمي لوزارة المالية عن فجوة مالية صارخة في العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان.
ففي تقرير إنفاق شهر تشرين الأول 2025، تبيّن أن بغداد منحت الإقليم تمويلًا تجاوز 10.4 تريليونات دينار، في حين لم تتسلّم من أربيل سوى 919.3 مليار دينار فقط من الإيرادات غير النفطية — ما يعادل أقل من عُشر ما تم تقديمه.
وتظهر تفاصيل التقرير أن معظم هذه المبالغ ذهبت لتغطية رواتب الموظفين (7.82 تريليونات دينار) والرعاية الاجتماعية (2.57 تريليون دينار)، ما يعكس اعتماد الإقليم بشكل كبير على التمويل الاتحادي لتغطية التزاماته الداخلية الأساسية.
ورغم استمرار إقليم كردستان بتصدير النفط عبر شركة "سومو" بمعدل يقارب 190 ألف برميل يوميًا، إلا أن التقرير لم يبيّن ما إذا كانت عائدات هذه الصادرات تُحوَّل بالكامل إلى خزينة الدولة، ما يثير تساؤلات جدية بشأن مدى التزام الإقليم بالاتفاقات المالية والنفطية مع الحكومة الاتحادية.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي علي دعدوش في حديث لـ"الاقتصاد نيوز"، إن الحكومة الاتحادية تستند إلى أربعة مرتكزات رئيسية في تبرير استمرار تمويلها للإقليم، رغم الخلل الواضح في المعادلة المالية.
وأشار إلى أن أول هذه المرتكزات هو الالتزام الدستوري والسكاني، إذ تُحتسب حصة الإقليم ضمن التخصيصات الوطنية على أساس عدد السكان وحقوق المواطنين، لا على أساس الإيرادات التي يسلّمها فعليًا، ما يعني أن التمويل يُعد موجّهًا للمواطنين وليس للحكومة المحلية.
أما المرتكز الثاني، فهو تجنّب الانقطاع المالي والإنساني، حيث تعتبر بغداد أن الامتناع الكامل عن التمويل قد يؤدي إلى أزمات اجتماعية وأمنية واقتصادية داخل الإقليم، في ظل حساسية ملف الرواتب والخدمات.
ويتمثل المرتكز الثالث في التسويات المرحلية بدل الحسم النهائي، إذ تتعامل الحكومة مع هذا الملف بوصفه نزاعًا طويل الأمد، فتفضل الاستمرار في التمويل مقابل تعهدات مستقبلية غير مضمونة، بدلاً من الانزلاق نحو مواجهة مباشرة قد تكون مكلفة.
أما المرتكز الرابع، فهو ضعف أدوات الإكراه المالي، إذ لا تملك الحكومة الاتحادية أدوات تنفيذية فعالة تفرض على الإقليم تسليم إيراداته بالكامل، لا سيما مع سيطرة أربيل على المنافذ الحدودية وملف النفط، وغياب نظام مالي اتحادي موحّد.
وفي تفسيره لعدم التزام الإقليم، أشار دعدوش إلى ثلاثة مستويات مترابطة، أولها هو منظور الاستقلال المالي، حيث يرى الإقليم أن من حقه إدارة موارده النفطية والضريبية والمنافذ الحدودية، ويعدّ التسليم الكامل انتقاصًا من صلاحياته.
أما المستوى الثاني، فهو غياب الثقة المالية المتبادلة، نتيجة لتجارب سابقة شهد فيها الإقليم تأخيرًا أو قطعًا في التمويل، أو تغييرات في قواعد التخصيص، ما يدفعه إلى الاحتفاظ بإيراداته كنوع من الحماية الذاتية.
في حين يتمثل المستوى الثالث والأكثر جوهرية، وفق دعدوش، في غياب قانون نفط وغاز اتحادي نافذ، ما يجعل العلاقة بين المركز والإقليم قائمة على تفاهمات سياسية غير ملزمة، بدل أن تستند إلى إطار قانوني يحدّد من يبيع النفط، وأين تذهب الإيرادات، وكيف تُوزّع.
ويؤكد دعدوش أن المشكلة ليست مالية فقط، بل مؤسساتية–دستورية، حيث تموّل بغداد الإقليم لتجنّب الانقسام، بينما يمتنع الإقليم عن تسليم إيراداته في ظل غياب الثقة وغياب الإطار القانوني الملزم، ما يؤدي إلى اختلال دائم تتحمّل كلفته الخزينة الاتحادية.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام