سياسات التغير المناخي.. وأمن الطاقة

كشفت حرب أوكرانيا أهمية أمن الطاقه عند تحديد أي ستراتيجيه لدوله معينه، فقد دأبت الدول المتقدمه في العشر سنوات الأخيره على خفض أنبعاثاتها من غاز ثاني أوكسيد الكاربون عبر أستخدام مصادر طاقه أو وسائط نقل أقل تلويثا و صديقه للبيئه تماشيا مع ألتزامها بمقررات أتفاقية باريس للحد من التغيرات المناخيه عام 2015، لكن الغزو الروسي الأخير لأوكرانيا و ما نتج عنه من عقوبات و تقليل  تجهيز الغاز الروسي جعل الدول الأوربيه و هي الأكثر ألتزاما بسياسات التغير المناخي و خفض الأنبعاثات تعيد النظر في سترتيجياتها التي جعلتها تعتمد على دوله لا يمكن الوثوق بسياساتها، فأستمرار شراء النفط و الغاز الروسي يعني تمويل الغزو الروسي لأوكرانيا و هذا غير مقبول، لذا لا مفر للدول الأوربيه من الرجوع لزيادة أستهلاك الفحم للتعويض عن الغاز الروسي بسبب محدودية كمية الغاز المسال عالميا بما لا يزيد عن 6% من الأستهلاك العالمي للغاز الطبيعي أضافة لأن أغلب هذه الكميه محجوزه بعقود طويلة الأجل لمشترين في شرق اسيا. كما جعلت هذه الأحداث الدول تعيد النظر برفع الأعتماد على الطاقه النوويه حيث تعتمد فرنسا مثلا بنسبة 70% من كهربائها على الطاقه النوويه لذا فهي بمأمن من مشكلة الغاز الروسي، عكس المانيا التي تعتمد كهربائها مزيج الغاز و الطاقات المتجدده مما جعلها أكثر أنكشافا أمام روسيا، و مع أن كازاخستان تستحوذ على 41% من أنتاج اليورانيوم العالمي يبقى أدخال الطاقه النوويه و لو بنسبه محدوده لتنويع مزيج الطاقه أمر مفيد لتحاشي الأعتماد على مصدر واحد خارجي.

بعيدا عن القاره الأوربيه، لم تفلح المفاوضات مع أيران للتوصل لأتفاق جديد معها لأرجاع 1.5 مليون برميل من نفطها للأسواق، كما يبقى قطاع النفط الفنزويلي منهار تماما بسبب سوء الأداره و منع الأستثمارات الغربيه فيه بسبب التشكيك في شرعية حكومة مادورو، كما أدى عدم الأستقرار و الأقتتال في ليبيا لتوقف صادراتها من النفط الخام التي كانت تقدر بمليوني برميل يوميا قبل الثوره، فيما أدت العقوبات على روسيا لتقليل صادراتها النفطيه بقرابة مليون برميل يوميا، كل هذه العوامل جعلت أسعار النفط و مشتقاته تقفز لمستويات قياسيه مما جعل الأصوات تتعالى في الولايات المتحده بضرورة رفع جميع القيود عن قطاعي النفط و الغاز الأمريكيين بما فيهم الأنشطه الأكثر تلويثا مثل التكسير الهيدروليكي و أستخلاص النفط الصخري و الرمال القطرانيه، حيث كانت أدارة بايدن قد قررت أرجاع الولايات المتحده لأتفاقية خفض الأنبعاثات و تقييد عمل شركات الوقود الأحفوري مع زيادة الضرائب عليها، و لكن اليوم و في ضوء هذه الأحداث الجديده أصبح واضحا أن تقليل الأعتماد على الخارج و المحافظه على أمن الطاقه يجب أن يكون أولويه عند صناع السياسات لذا نجد الرئيس بايدن يجتمع بكبريات شركات النفط و الغاز لزيادة أنتاجهم لأعلى مستويات بدون أعلان ما تمخض عنه هذا الأجتماع لعدم أحباط الناخبين الليبراليين المحافظين على البيئه الذين أوصلوه للرئاسه. كما أن النقاش رجع بخصوص ألواح الطاقه الشمسيه التي تنخفض كلفتها في الصين مما جعل الرئيس السابق دونالد ترامب يفرض عليها ضرائب باهضه لتشجيع صناعة الألواح الشمسيه الأمريكيه حتى لو أدى هذا لخفض وتيرة التحول للطاقات المتجدده. كما تجدد الجدل بخصوص السيارات الكهربائيه التي تعتمد بطارياتها على عناصر و خامات موجوده في دول محدوده بإمكانها ألحاق الضرر بهذه الصناعه، حيث تقع أغلب خامات الكوبالت في بلد واحد هو الكونغو الديموقراطيه التي تنتج 59% من أجمالي الكوبالت العالمي، فيما تستحوذ أستراليا و شيلي على  78% من أنتاج الليثيوم العالمي، كما تنتج الصين  67% من الغرافيت الطبيعي عالميا، هذا بالأضافه لعناصر نادره (15-17 عنصر) تحتاجها صناعة أشباه الموصلات و تكنلوجيا السيارات الكهربائيه بالذات و نذكر هنا أهمية أستهلاك كل بطارية سيارة كهربائيه بحدود 2 كغم من النيوديميوم ليرفع كفاءة البطاريه مما يجعلها عمليه بدون الحاجه لزيادة وزنها، حيث تتوزع هذه العناصر في كثير من البلدان و لكن يقتصر أستخلاصها من أكاسيدها على الصين بنسبة 90%، فقد استثمرت الصين على مدى العقدين الماضيين في منشأت و تكنلوجيا الأستخلاص هذه، و رغم أن الولايات المتحده  و الدول الصناعيه تستطيع اللحاق بالصين في هذا المجال ألا أن هذا يتطلب عقد الى عقدين من الزمن، لذا فالأسراع في دعم صناعة السيارات الكهربائيه قد يؤدي لأعطاء ورقة ضغط بيد الصين التي تتطلع لنتائج مغامرة روسيا في أوكرانيا لأحتمالية تكرارها مع تايوان، كل هذا يجعل تبني السيارات الكهربائيه من قبل الغرب و اليابان موضوع صعب التكهن خصوصا أن هذه السيارات الكهربائيه لا تزال غير قادره على منافسة سيارات محركات الأحتراق الداخلي بالكلفه الكليه (كلفه أوليه+ كلفة وقود أو كهرباء+ كلفة صيانه) و بالتالي تعتمد على الدعم الحكومي (أعفاءات ضريبيه و قروض ميسره) مما يجعل وتيرة أنتشارها تتأثر بالقرار السياسي، فالكثير من الأصوات تحث على عدم المضي بعيدا لكهربة جميع السيارات الجديده مما يغير نمط صناعة السيارات و يقلل الأستثمارات في أنتاج البنزين و هذا من شأنه أن يعطي سلطه لهذه الدول و يعرض صناعة السيارات العالميه لهزات عنيفه محتمله، فالتذمر الغربي في الماضي بشأن تركز 28% من أنتاج النفط العالمي في منطقة الخليج العربي أمر هين مقارنة بمتطلبات صناعة بطاريات السيارات الكهربائيه التي تحتكرها بلدان محدوده.

لذا و كمثال واضح على تقديم أمن الطاقه عند صياغة الستراتيجيات، نذكر رهان اليابان على أستخراج غاز هيدرات الميثان من السواحل المحيطه باليابان حيث توجد أحتياطات معتبره منه تحت قاع البحر القريبه على اليابان، و الهدف هو لأستخدامه لأنتاج الميثان لتوليد الكهرباء ليعمل كمكمل لكهرباء الطاقات المتجدده، أضافة لأستخلاص الهيدروجين منه لتشغيل السيارات فاليابان من أكثر الدول أعتمادا على أستيراد النفط و الغاز بنسبة 80% من أستهلاكها للطاقه، و مع عزوف التقبل الشعبي للطاقه النوويه بعد حادثة محطة فوكوشيما النوويه مما جعل اليابان تبحث عن حلول تقلل أعتمادها على أستيراد الطاقه حتى و أن كانت عملية معالجة الميثان الحراريه لأنتاج الهيدروجين تؤدي لأنبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكاربون، لهذا نجد اليابان غير مهتمه بالسيارات الكهربائيه و لا تعلن عن أي خطط مستقبليه لكهربة أسطول سياراتها، فمصنعي السيارات اليابانيين يركزون على السيارات الهجينه (بنزين مع بطاريه صغيره جدا)  و سيارات خلايا الوقود الهيدروجينيه لضمان أمن الطاقه و عدم الأعتماد على أستيراد مكونات البطاريات خصوصا و أن عناصر الأرض النادره و الكرافيت تأتي من دوله لها علاقات تاريخيه متوترة معها هي الصين.   


مشاهدات 185
أضيف 2022/07/05 - 10:21 PM
تحديث 2022/08/09 - 12:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 2563 الشهر 65535 الكلي 2234660
الوقت الآن
الثلاثاء 2022/8/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير