
عندما أعلنت قطر يوم الاثنين عن وقف عشرين بالمائة من الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي المسال عقب هجوم إيراني، استحضرت أسواق الطاقة ذكريات الأزمة التي ضربت أوروبا في عامي 2021 و2022 بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ولكن لحسن الحظ، ليست كل أزمات الغاز متساوية؛ فمع قليل من الحظ، قد لا يكون الاضطراب الحالي كارثياً على أسعار الطاقة كما كان سلفه، وإذا حدث ذلك، سيعود الفضل كله إلى الصين.
كان الإعلان القطري صادماً؛ ففي بيان مقتضب مكون من 52 كلمة فقط، بُثت الأنباء على النحو التالي: تعرضت مدينتا رأس لفان ومسيعيد الصناعيتان، وهما مجمعان شاسعان يتم فيهما تبريد الغاز لدرجة فائقة تصل إلى حوالي 160 درجة مئوية تحت الصفر، ليتحول إلى سائل يُشحن في الناقلات، لـ "هجوم عسكري"/ ونتيجة لذلك، "توقف" إنتاج الغاز الطبيعي المسال تماماً لأول مرة منذ 30 عاماً.
وفي غضون ثوانٍ، ومع ظهور العناوين الرئيسية أمام تجار الطاقة، ارتفعت تكلفة الغاز الطبيعي الأوروبي (الذي يعد مؤشراً لأسعار الغاز المسال العالمية) لفترة وجيزة بأكثر من 50%، وكان من السهل عقد مقارنات بين القفزة الحالية وتلك التي حدثت في 2021-2022، بعد أن خفضت روسيا إمداداتها إلى أوروبا قبل أن تقطعها نهائياً في نهاية المطاف.
لكن التشابه ينتهي عند هذا الحد؛ فقد ارتفعت أسعار الغاز الأوروبي يوم الاثنين لتصل إلى ما يقرب من 50 يورو لكل ميجاوات في الساعة (58.44 دولاراً) في أسوأ لحظاتها، لتغلق السوق في النهاية عند حوالي 45 يورو لكل ميجاوات في الساعة، بزيادة قدرها 39% خلال اليوم.
وبمقارنة هذا السعر مع أعلى مستوى تاريخي سُجل في مارس 2022، بعد دخول الدبابات الروسية إلى أوكرانيا، والذي بلغ 345 يورو لكل ميجاوات في الساعة (403.20 دولاراً)، يتضح الفرق الكبير.
بصيغة أكثر وضوحاً: نعم، قفزت أسعار الغاز يوم الاثنين، ولكن رغم هذا الارتفاع الكبير، إلا أنها لا تزال أقل بنسبة هائلة تصل إلى 87% من أسوأ نقطة وصلتها الأزمة الأوروبية، وعند النظر إلى تكاليف الطاقة، يجدر دائماً وضع أي حركة في الأسعار ضمن منظورها الصحيح.
ولحسن الحظ، فإن سوق الغاز في وضع أفضل مما كان عليه قبل ثلاث سنوات، حيث ساهمت موجة من مرافق الغاز الطبيعي المسال الجديدة، لا سيما في أمريكا، في تعزيز الوفرة، كما ضرب هذا الاضطراب السوق تزامناً مع أقرب بداية "الموسم الفاصل" (Shoulder Season)، حيث يخرج نصف الكرة الشمالي من فصل الشتاء، مما يقلل الطلب على التدفئة، وقبل حلول الصيف القاري الحار في آسيا، عندما يرفع الطلب على التبريد استهلاك الغاز المسال لتوليد الكهرباء.
علاوة على ذلك، يراهن تجار الطاقة على فرضيتين منطقيتين؛ أولاً: يعتقد معظمهم أن شركة "قطر للطاقة" ستعيد تشغيل مرافقها في وقت قريب نسبياً، ربما غضون أيام، فمن الصعب تصور استمرار الاضطراب القطري لثلاث سنوات، كما هو الحال مع الاضطراب الروسي، وإن سألتني، فإن استمرار الأزمة لثلاثة أسابيع هو احتمال وارد أكثر بكثير من استمرارها لثلاثة أشهر، كما أن احتمال انتهائها في غضون ثلاثة أيام هو إمكانية حقيقية.
ثانياً: تستطيع الصين، أكبر مستورد للغاز المسال القطري، وقليل من المشترين الآخرين في آسيا، امتصاص أي اضطراب بشكل أفضل بكثير مما فعلت أوروبا قبل ثلاث سنوات، وذلك جزئياً عبر التحول من الغاز المسال إلى الفحم.
تستهلك الصين حوالي 24% من إجمالي صادرات الغاز المسال القطري، بينما تمثل الهند وباكستان وبنغلاديش مجتمعة 28% أخرى.
عندما غزت روسيا أوكرانيا، لم يكن لدى أوروبا سوى خيارات قليلة من هذا القبيل؛ فباستثناء ألمانيا وبولندا، لم تعد أوروبا تمتلك أسطولاً كبيراً من محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، أما المصدر البديل الآخر الذي كانت تلجأ إليه، وهو الطاقة النووية الفرنسية، فلم يكن متاحاً بالكامل بسبب عمليات الإصلاح واسعة النطاق، بل كان على القارة التعامل مع الأزمة بالطريقة الصعبة: حيث ارتفعت تكلفة الغاز بنسبة 1500% فوق المستويات العادية، مما أدى إلى تدمير الطلب.
لا تواجه هذه الدول الآسيوية الأربع (الصين والهند وباكستان وبنغلاديش) مثل هذا السيناريو لفترة قصيرة على الاقل؛ إذ يمكنها حرق المزيد من الفحم، والاعتماد على الطاقة الشمسية والمائية، وفي الحالات التي لا يمكن فيها استبدال الغاز المسال، كما هو الحال في استخدامه كمادة خام في صناعة الكيماويات والأسمدة، قد نرى انخفاضاً في الإنتاج الصناعي، بدلاً من قيام الشركات بملاحقة السوق نحو الارتفاع عبر شراء الغاز المسال من السوق الفورية.
كما تمتلك بكين "صمامات أمان" إضافية: صناعة مزدهرة لتحويل الفحم إلى كيماويات، والتي ستكون مفيدة في استبدال بعض احتياجات الغاز المسال، خاصة لإنتاج الأسمدة القائمة على الأمونيا والكيماويات القائمة على الأسيتيلين، ومما يساعد أيضاً أن إنتاج الغاز المحلي الصيني وصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، بعد أن تضاعف تقريباً في العقد الماضي، وأن بكين لديها الكثير من الغاز الروسي تحت تصرفها، سواء عبر خطوط الأنابيب أو ناقلات الغاز المسال، وإذا كان التوقف القطري قصير الأمد نسبياً، فلن تصاب الصين بالذعر.
لكن المشكلة قد تأتي من مكان آخر: تشتري تايوان وكوريا الجنوبية كميات كبيرة من الغاز المسال القطري، وكلاهما يستخدم هذه السلعة لتوليد الطاقة، كما يمتلك كلاهما سعة تخزينية محدودة، لذا سيشعران بالضيق قريباً، وأسوأ ما يمكنهما فعله هو الذعر.
ومن الملاحظ أن اليابان قللت من اعتمادها على قطر ويمكنها تقديم يد العون عبر استخدام المزيد من الفحم لتوليد الطاقة، مما يوفر الغاز الذي يمكن لحليفتيها سيئول وتايبيه استخدامه بدورهما، ويبقى ذلك أوروبا، التي ستحتاج إلى الكثير من الغاز المسال الإضافي لإعادة بناء مخزوناتها هذا الربيع والصيف، لكنني أستبعد أن يستمر الاضطراب الحالي لفترة طويلة.
نقلا عن بلومبيرغ
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام