هيئة الاستثمار: تصاعد ملحوظ في الإقبال الاستثماري الأجنبي   الإقتصاد نيوز   إعادة افتتاح رصيف سايلو أم قصر بعد توقف دام 10 سنوات   الإقتصاد نيوز   اتفاقية بين تركيا و"شل" لتنفيذ عمليات تنقيب قبالة بلغاريا   الإقتصاد نيوز   "سلوفنافت" تطلب 7 ناقلات نفط لتعويض توقف خط دروجبا   الإقتصاد نيوز   اقتصاد الظلّ على الحدود.. "منظومة منفلتة" تستنزف المليارات وتضع العراق أمام أخطر اختبار اقتصادي   الإقتصاد نيوز   موسكو: مستعدون لقبول فائض اليورانيوم المخصب من إيران   الإقتصاد نيوز   افتتاح طريق منفذ مندلي ضمن خطة إصلاح شاملة لتعزيز كفاءة المنافذ ودعم الإيرادات غير النفطية   الإقتصاد نيوز   شركة كويتية: العراق الدولة الوحيدة التي سجلت نمواً ملحوظاً في إنتاجها النفطي   الإقتصاد نيوز   الأمن الوطني يضبط مدير مؤسسة حكومية وموظفين بتهم الرشوة والفساد   الإقتصاد نيوز   السوداني: الحكومة ستجري تقييماً للمسؤولين المعنيين بوزارة الكهرباء وفقاً لمستوى أدائهم في مجال الجباية   الإقتصاد نيوز  
اقتصاد الظلّ على الحدود.. "منظومة منفلتة" تستنزف المليارات وتضع العراق أمام أخطر اختبار اقتصادي

الاقتصاد نيوز - بغداد

يتصاعد الجدل حول واقع المنافذ الحدودية في إقليم كردستان بالتزامن مع بدء تطبيق التعرفة الجمركية الجديدة، في وقت تحاول فيه الحكومة الاتحادية تعزيز الإيرادات غير النفطية وضبط الاستيراد. غير أن النقاش لم يعد محصوراً بنسبة الرسوم أو أثرها على أسعار السلع، بل اتجه إلى سؤال أعمق يتعلق بوحدة السياسة الكمركية في العراق، ومدى خضوع جميع المنافذ، ولا سيما في الإقليم، للآليات ذاتها من الرقابة والتحصيل.

وتوجد في إقليم كردستان أربعة منافذ ومعابر تجارية حدودية برية رئيسية مع تركيا وإيران، هي حاج عمران في أربيل، وإبراهيم الخليل في دهوك، وباشماخ وبرويزخان في السليمانية، إلى جانب مطاري أربيل والسليمانية الدوليين. وهذه المنافذ معترف بها رسمياً من قبل الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، ويفترض أن تؤمّن دخول السلع وفق الضوابط القانونية المعتمدة.

إلا أن الصورة على الأرض أكثر تعقيداً؛ فحكومة الإقليم تعترف بوجود 13 منفذاً ومعبرًا رسمياً، ستة منها معترف بها من بغداد، وسبعة غير معترف بها اتحادياً، فضلاً عن نحو 20 معبراً ثانوياً غير رسمي وغير معترف به من قبل الحكومتين. كما تشير تقديرات نيابية في بغداد إلى وجود ما يصل إلى 47 منفذاً ومعبراً غير رسمي، ما يعمّق فجوة الرقابة ويثير تساؤلات حول حجم البضائع الداخلة وآلية استيفاء الرسوم.

الخلفية التاريخية لهذا الملف تعود إلى عام 1991، حين أصبحت المنافذ الحدودية مورداً مالياً رئيسياً لحكومة الإقليم في ظل ظروف سياسية واقتصادية استثنائية. ومع ترسخ نفوذ الأحزاب الحاكمة، تشكّل واقع إداري وأمني مزدوج؛ إذ يسيطر أحد الحزبين على منافذ أربيل ودهوك، فيما يدير الآخر منافذ السليمانية وحلبجة.

ورغم أن قانون ديوان الرقابة المالية رقم (2) لسنة 2008 والمادة (10) من قانون وزارة المالية رقم (2) لسنة 2010 يمنحان وزارة المالية والاقتصاد في الإقليم صلاحية إدارة المعابر، فإن التطبيق العملي – بحسب مراقبين – لم يشهد إدارة موحدة فعلية بسبب نفوذ الحزبين وهيمنتهما الأمنية.

في هذا السياق، يطرح النائب علي حمه صالح، عضو برلمان كردستان لأربع دورات متتالية والرئيس الأسبق للجنة المالية فيه، رواية حادة بشأن طبيعة إدارة المنافذ. فهو يؤكد أن “الأحزاب الحاكمة انتهجت أشكالاً مختلفة من عمليات التهريب عبر المنافذ والمعابر الحدودية، تسهّلها أجهزة أمنية تتبعها، بما يحقق واردات مالية كبيرة لها”، مشيراً إلى أن قسماً من الرسوم المستحصلة “لا يذهب إلى خزينة وزارة المالية والاقتصاد، وإنما إلى خزائن الأحزاب”.

ويعزز صالح موقفه بأرقام يعتبرها دليلاً على الخلل القائم، موضحاً أن الإيرادات الرسمية لمحافظة السليمانية كانت تبلغ في السابق نحو 150 مليار دينار عراقي شهرياً، لكنها تراجعت في الأشهر الأخيرة إلى ما يقارب ربع هذا المبلغ. كما يتحدث عن انخفاض إيرادات منفذي باشماخ وبرويزخان بنسبة تتراوح بين 60 و70 في المئة نتيجة استمرار إدخال البضائع بطرق غير رسمية، معتبراً أن التراجع لا يعكس ركوداً تجارياً بقدر ما يكشف انتقال جزء من النشاط إلى مسارات غير خاضعة للتحصيل الرسمي.

ويضيف أن فرض مبالغ مقطوعة على بعض الشاحنات الداخلة بطرق غير رسمية يجعل كلفة الاستيراد عبر هذه القنوات أقل من الاستيراد النظامي، ما يخلق حافزاً اقتصادياً للالتفاف على الإجراءات القانونية، وأدى – بحسب قوله – إلى تقلص التمويل المخصص لمشاريع خدمية في السليمانية، لا سيما في قطاعي الصحة والتعليم.

على المستوى الاتحادي، يذهب رئيس كتلة الأساس النيابية علاء الحيدري إلى توصيف أكثر اتساعاً للمشكلة، إذ يشير إلى وجود “47 منفذاً ومعبراً غير رسمي في كردستان”، معتبراً أن استمرار هذا الواقع “يقوّض أي محاولة لبناء سياسة كمركية موحدة على مستوى الدولة”. ويربط الحيدري بين ملف المنافذ ومسار التعرفة الجديدة، مؤكداً أن توحيد الجمارك شرط أساسي لتحقيق العدالة بين المستوردين وتعظيم الإيرادات.

كما يثير تساؤلات حول تطبيق نظام “أسيكودا” العالمي في جميع المنافذ، بما فيها منافذ الإقليم، موضحاً أن النظام أداة مهمة للحد من التلاعب بالفواتير وقيم البضائع. وبرأيه، فإن المشكلة لا تكمن في مبدأ فرض التعرفة، بل في غياب التكافؤ في التطبيق؛ إذ إن اختلاف آليات الاستيفاء يدفع المستوردين إلى تحويل مساراتهم نحو المنافذ الأقل كلفة، ما يخلق عملياً “دولة بسوقين”.

في المقابل، تؤكد هيئة المنافذ الحدودية الاتحادية استمرار إجراءاتها الرقابية في السيطرات المحاذية لإقليم كردستان. ويعلن المتحدث باسم الهيئة علاء الدين القيسي عن ضبط محاولات تهريب وإعادة مئات العجلات لعدم استيفائها الشروط القانونية، مشيراً إلى أن الحملات أسفرت عن إحالة شحنات مخالفة ومنع دخول مركبات لا تحمل أوراقاً رسمية أو لم تدفع الرسوم.

وتُقدَّم هذه الإجراءات بوصفها مسعى لسد الثغرات ومنع تسرب البضائع المخالفة إلى الأسواق، غير أن مراقبين يرون أنها تبقى معالجة لاحقة لا تمس جوهر الإشكال المرتبط بنقطة الدخول الأولى وآلية التحصيل الأساسية.

وهكذا يتجاوز ملف المنافذ كونه مسألة مالية تقنية، ليصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على فرض سياسة اقتصادية موحدة في ظل تعدد مراكز النفوذ. وبين اتهامات التهريب، وتأكيدات الرقابة، ومساعي توحيد التعرفة، يبقى السؤال مطروحاً: هل تنجح بغداد وأربيل في تحويل المعابر من ساحات تجاذب سياسي إلى أدوات سيادية لتعزيز الاقتصاد الوطني، أم يستمر واقع الازدواجية بما يحمله من كلفة مالية وسياسية متراكمة؟


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 94
أضيف 2026/02/18 - 2:20 PM