
شهدت وول ستريت الأسبوع الماضي ما يشبه قصتين متناقضتين: قطاع الصناعات حلق صعوداً إلى مستويات لافتة، بينما تعرضت أسهم التكنولوجيا والماليات لضغوط حادة تحت وطأة مخاوف متزايدة من تسارع تطورات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على نماذج العمل التقليدية.
وتزامن ذلك مع صدور بيانات اقتصادية متباينة عمّقت حالة الارتباك. فعلى الرغم من أن مؤشر S&P 500 نجح في الارتداد قليلاً يوم الجمعة بعد بيانات تضخم دعمت توقعات خفض الفائدة مستقبلاً، فإن هذا التحسن الخجول لم يكن كافياً لتعويض خسائر الأسبوع أو لطمأنة المستثمرين بأن الاحتياطي الفيدرالي بات مستعداً لخفض الفائدة الشهر المقبل.
وفي المحصلة، تراجع مؤشر S&P 500 بنحو 1.4% خلال الأسبوع، وهبط مؤشر ناسداك 2%، بينما بدا أداء مؤشر داو جونز مختلفاً رغم خسارته 1.2%؛ إذ حقق مستوى إغلاق قياسياً يوم الثلاثاء. وكان من بين الرابحين في الداو شركة "Honeywell"، في حين جاءت "أبل" ضمن أبرز المتراجعين، وفقاً لما ذكرته شبكة "CNBC".
وبالرغم من أن القطاع استقر نسبياً الجمعة بعد أن رفعت شركة "Baird" توصيتها لسهم "ويلز فارغو" من "بيع" إلى "احتفاظ"، فإن الخسائر الأسبوعية بقيت كبيرة – أكثر من 7.4% ل"ويلز فارغو" ونحو 7% ل"كابيتال وان".
ووفقاً لمدير التحليل في النادي الاستثماري جيف ماركس، فقد يشكل هذا التراجع فرصة للشراء في جلسات قادمة. فمع التطور السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي، يفضّل المستثمرون غالباً البيع السريع قبل تقييم المخاطر الحقيقية بدلاً من البقاء في مرمى النيران. لكن حتى اللحظة، لا يرى المحللون أن تلك المخاوف قادرة على تغيير الصورة الاستثمارية الأساسية.
امتدت الضغوط أيضاً لأسهم التكنولوجيا الكبرى، وعلى رأسها "ألفابيت" التي تراجعت بأكثر من 5% رغم نتائج فصلية قوية صدرت قبل أسابيع. سبب التراجع كان مخاوف من زيادة استثمارات الشركة في الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، أكدت إدارة النادي الاستثماري ثقتها في السهم وقامت بشراء المزيد منه الثلاثاء.
وفي المقابل، تماسك جزء من أسهم التكنولوجيا، خصوصاً شركات الأمن السيبراني التي رفض المحللون وضعها في نفس سلة شركات البرمجيات التقليدية (SaaS) نظراً لدور أمن المعلومات الحيوي في بيئة التهديدات الحالية. فقد سجلت "CrowdStrike" ارتفاعاً بلغ 8.6% و"بالو ألتو" نحو 4.8%، بينما كان تراجع "سيلزفورس" أقل من 1%.
وقد رفع النادي الاستثماري مستهدف سهم "إيتون" من 410 إلى 425 دولاراً، وسهم "GE Vernova" من 800 إلى 875 دولاراً. وحققت "إيتون" قفزة بأكثر من 4% خلال الأسبوع، وارتفاعاً ب22% منذ بداية العام، ما دفع النادي لاقتناص أرباح من السهم رغم استمرار النظرة الإيجابية له.
وتستفيد شركات مثل "إيتون" و"جي فيرنوفا" من الطلب المتزايد على حلول إدارة الطاقة، خصوصاً في مراكز البيانات التي تزداد احتياجاتها بفضل طفرة الذكاء الاصطناعي.
أما على صعيد السلع الاستهلاكية الأساسية، فقد واصلت الشركات أداءً قوياً هذا العام مسجلة مكاسب 15.6% منذ بداية 2026، متفوقة على مؤشر S&P 500 شبه المستقر. وكانت Procter & Gamble من أبرز الرابحين بعد ارتفاعها 11.7% منذ بداية العام، وهي شركة كان النادي يشتري فيها خلال العام الماضي كنوع من التحوط أمام ثقل قطاع التكنولوجيا داخل المحفظة. لكن مع الارتفاع الحاد للسهم مؤخراً، اتجه النادي لجني جزء من الأرباح والاكتفاء بتقييم “احتفاظ” حالياً.
ورغم أن ذلك يصبّ في صالح شقي مهمة الفيدرالي: التوظيف واستقرار الأسعار، فإن البيانات ترجّح استمرار التريث قبل اتخاذ قرار خفض الفائدة. لكن قراءة التضخم الباردة دعمت توقعات خفض الفائدة خلال وقت لاحق من العام، حيث تتوقع الأسواق حالياً خفضين إلى ثلاثة في 2026.
ويرى جيم كريمر أن أداء شركات مثل "Home Depot" بات مرتبطاً بشكل وثيق بما سيفعله الفيدرالي خلال المرحلة المقبلة، إذ وصفها ب“سهم وورش”، أي الشركات التي تحتاج بيئة فائدة منخفضة حتى تنتعش. فأسعار الفائدة المرتفعة ما زالت تثقل كاهل سوق الإسكان في ظل ارتفاع الرهن العقاري.
ومن المنتظر أن يتولى كيفن وورش، مرشح الرئيس دونالد ترامب، رئاسة الفيدرالي خلفاً لجيروم باول في مايو، بانتظار موافقة مجلس الشيوخ. وعلى الرغم من مواقفه “المتشدة” خلال فترة سابقة في الاحتياطي الفيدرالي، فإن وورش يتماشى مع توجه الإدارة الأميركية الداعي لخفض الفائدة.
لكن حتى الآن، لم تُثمر تخفيضات الفائدة خلال العامين الماضيين عن انخفاض ملموس في تكلفة الرهن العقاري أو قروض السكن، ما يبقي سوق الإسكان في حالة جمود نسبي.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام