
بين تحركٍ دولي لتقييم مخاطر الملاحة في القنوات البحرية العراقية، وإجراءات رقابية مشددة داخل المنافذ بشأن المواد الكيمياوية الخطرة، تتشكل ملامح مرحلة جديدة تستهدف رفع معايير السلامة في الموانئ العراقية وتعزيز الثقة الدولية بها. فزيارة منظمة IALA إلى خور عبد الله والقناة المؤدية إلى ميناء الفاو الكبير، تزامنت مع تحذيرات بيئية من ثغرات في آليات الاستيراد والفحص، في مشهد يعكس سعي العراق لإعادة ضبط منظومة السلامة البحرية والرقابة البيئية ضمن إطار قانوني وأمني أكثر صرامة.
وكشف ممثل الشركة العامة لموانئ العراق في المنظمة، الربان زين العابدين عادل الموسوي، عن إجراء زيارة ميدانية شملت القناة الملاحية في خور عبد الله، إضافة إلى القناة المؤدية إلى ميناء الفاو الكبير والاقتراب من القناة الملاحية في خور الخفكة ضمن المياه والسواحل العراقية.
وأوضح أن الزيارة تندرج ضمن أعمال تقييم المخاطر البحرية وتهدف إلى دراسة واقع السواحل والقنوات الملاحية ومراجعة مستوى سلامة الملاحة، بما يضمن انسيابية حركة السفن المتجهة إلى الموانئ العراقية، سواء كانت أجنبية أم محلية.
وأكد الموسوي أن حماية الأرواح البشرية والبيئة البحرية وصون الممتلكات والوحدات البحرية تمثل الهدف الأساسي لهذه الجهود، مشيراً إلى أن تطوير الموانئ وفق المعايير الدولية سينعكس إيجاباً على خفض أجور التأمين على السفن الوافدة، ويعزز ارتباط العراق بالمجتمع البحري الدولي، ما يمنحه موقعاً أكثر تنافسية في حركة التجارة الإقليمية.
في المقابل، تشهد المنافذ الحدودية إجراءات رقابية متزايدة، إذ أعلنت هيئة المنافذ الحدودية، في وقت سابق، إخلاء 13 حاوية مواد كيمياوية خطرة من منفذ ميناء أم قصر الأوسط بعد تجاوزها المدة القانونية دون مراجعة أصحاب العلاقة، ونقلها بحراسة جمركية إلى موقع مخصص بعيد عن المناطق السكنية والمنشآت الحيوية، تنفيذاً لقرار قضائي. ويعكس هذا الإجراء تنامياً في الحس الرقابي لتفادي المخاطر المحتملة على سلامة الموانئ والعاملين والمواطنين.
تحذيرات وزارة البيئة تضيف بعداً آخر للصورة، إذ أكد المتحدث باسمها لؤي المختار أن قانون وزارة البيئة رقم (37) لسنة 2008 وقانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009 ينظمان بشكل تفصيلي تداول المواد والنفايات الخطرة، بدءاً من الاستيراد والنقل والخزن وصولاً إلى المصير النهائي.
وأشار المختار خلال حديثه لـ"الاقتصاد نيوز" إلى أن المادتين (19) و(20) تحددان الضوابط الخاصة بهذا الملف، فيما تنص المادة (35) على عقوبات تصل إلى السجن بحق المخالفين، مع إلزامهم بإعادة المواد الخطرة أو التخلص الآمن منها مع التعويض.
ورغم وجود إطار قانوني صارم، فإن المختار لفت إلى تحديات تنفيذية، أبرزها ضعف الفحص المختبري الدقيق، والحاجة إلى مطابقة المواد المستوردة مع الموافقات الرسمية، إضافة إلى ضرورة تحسين المتابعة بعد دخولها البلاد وتحميل المستوردين المسؤولية الكاملة.
كما شدد على أهمية تخصيص ساحات خزن خاصة بعيدة عن المنشآت الحساسة، بإدارة جمركية مباشرة، لتقليل المخاطر المحتملة، لا سيما مع وجود قوائم دولية للمواد الخطرة تتطلب تدقيقاً والتزاماً صارماً.
بدوره، يرى الباحث بالشأن الاقتصادي ضياء المحسن، أن أقساط التأمين البحري ترتبط بعلاقة عكسية مع معايير السلامة.
ويقول في حديث لـ"الاقتصاد نيوز"، إن "الموانئ التي تُصنف بأنها عالية المخاطر تفرض عليها شركات التأمين العالمية ما يُعرف بـ أقساط خطر الحرب أو علاوات المخاطر الإضافية، بعد ذلك كلفة التأمين ترتفع فيها المعايير للوصول إلى المستويات الدولية وهو ما سيؤدي إلى إعادة تصنيف الموانئ العراقية، مما يخفض كلف التأمين على السفن والبضائع بنسب قد تصل إلى 20-30%".
وأضاف، أن "هذا يقلل مباشرة من السعر النهائي للسلع المستوردة، المستثمر الأجنبي يبحث عن بيئة تشغيلية آمنة، تحديث أنظمة السلامة يقلل من احتمالات توقف العمل أو تضرر الأصول، مما يشجع الشركات اللوجستية العالمية على بناء محطات حاويات أو مناطق حرة داخل العراق".
وأشار المحسن الى، أن "تطوير القنوات الملاحية (تعميقها وتوسعتها) وتشديد الرقابة على المواد الخطرة هما حجر الزاوية في بناء السمعة المؤسسية للموانئ، شركات الشحن العملاقة (مثل Maersk أو MSC) لا ترسل سفنها الحديثة والضخمة إلى قنوات ملاحية تعاني من مشاكل في الأعماق أو ضعف في أنظمة التتبع، من ثم فإن التطوير يضمن سلامة بدن السفن وسلاسة حركتها، كما ان الرقابة الصارمة تشكل معياراً أساسياً للمفاضلة بين الموانئ".
ولفت إلى، أن "الالتزام بهذا يمنح العراق شهادة ثقة دولية تضع موانئه على خارطة الخطوط الملاحية المنتظمة بدلاً من السفن العابرة فقط، ناهيك عن أن خفض المخاطر وتنافسية العراق كممر تجاري (طريق التنمية) يمنحه ميزة جيوسياسية كونه أقصر طريق بري يربط الخليج بأوروبا، لكن هذه الميزة خاملة ما لم يتم تقليل المخاطر البحرية".
وبحسب الباحث بالشأن الاقتصادي، فإن "تحويل الموانئ من مراكز كلفة (بسبب المخاطر العالية) إلى مراكز قيمة (عبر الكفاءة التشغيلية والسلامة)، هذا التحول سيعزز من تدفقات العملة الصعبة، ويخلق فرص عمل، ويدعم الموازنة العامة بعيداً عن الريع النفطي".
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام