
في ظل مناخ اقتصادي متقلب وضغوط متزايدة على السوق المحلية، دخل العراق مرحلة جديدة من التوتر التجاري والاقتصادي مع إعلان الهيئة العامة للجمارك تطبيق التعرفة الجمركية الجديدة اعتباراً من مطلع عام 2026، بنسبة 15% على السلع الكمالية.
هذه الخطوة التي جاءت تحت شعار "تنظيم التجارة ودعم المنتج الوطني" أثارت ردود فعل متباينة، سرعان ما تحولت إلى احتجاجات ميدانية ودعوات لإضراب عام، وسط تحذيرات من تداعياتها على الاقتصاد العراقي والتجار والمستهلكين على حد سواء.
وفي وقت سابق، أوضح مدير عام الهيئة، ثامر قاسم داود، أن القرار يستثني السلع الأساسية والضرورية التي تمس حياة المواطن، مشيراً إلى فرض رسوم جديدة شملت أيضاً قطاع السيارات، من خلال تطبيق المواصفات العراقية بشكل إلزامي على المستورد منها، وفرض رسوم على السيارات الهجينة لأول مرة.
كما شملت التعديلات توحيد نسب الرسوم على الأدوية والمستلزمات الطبية بنسبة 5%، وفرض ضريبة جديدة بنسبة مماثلة على الذهب، إلى جانب اعتماد نظام "الأسيكودا" الإلكتروني كأداة لتحصيل الأمانات الضريبية وتنظيم عمليات الاستيراد.
في المقابل، يرى المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن هذه الإجراءات – رغم صعوبتها – تصب في خانة الإصلاح المالي والاقتصادي. إذ تُعد محاولة لتقليص التشوهات التجارية، ومحاربة الغش والتلاعب، والحفاظ على مسارات التحويل الخارجي من الفساد المالي، إلى جانب دعم المنتج المحلي.
وأضاف صالح خلال حديثه لـ"الاقتصاد نيوز"، أن هذه الخطوات تساهم كذلك في الحفاظ على سلامة مسارات التحويل الخارجي والحد من ظواهر الفساد المالي، مضيفا أن التعرفة الجمركية جاءت استنادا إلى قراءة السياسة الاقتصادية للواقع المالي للبلاد، وإلى توجهات تستهدف دعم المنتج الوطني وتنظيم التجارة الخارجية، وأن هذا الخيار يندرج ضمن صلاحيات التقدير السيادي للسياسة الاقتصادية.
وأوضح أن فرض هذه التعرفة يهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين تعظيم الإيرادات العامة من جهة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ومنع الاختلالات في السوق من جهة أخرى، مشددا على أن نجاح هذه الإجراءات يبقى مرتبطا بقدرة السوق والفاعلين الاقتصاديين على التكيف التدريجي معها.
الجدل لم يتوقف عند حدود التفسير الحكومي، بل امتد إلى أصوات الخبراء والفاعلين في السوق. إذ حذّر الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي من أن تطبيق نظام "الأسيكودا" بالتزامن مع زيادة الرسوم الجمركية أدى إلى تراجع حاد في حجم التبادل التجاري، وانخفاض إيرادات الدولة الجمركية بما يعادل 71 مليار دينار خلال شهر واحد فقط.
كما أشار إلى التأثير المباشر لهذه الإجراءات على أكثر من مليون تاجر ونحو 350 ألف منشأة تجارية، باتت تعاني من تباطؤ في حركة السلع، وتكدّس الحاويات في موانئ البلاد، لا سيما في ميناء أم قصر.
الأزمة بلغت ذروتها مع إعلان غرفة تجارة بغداد عن إغلاق شامل للأسواق اعتباراً من يوم الأحد 2 شباط 2026، احتجاجاً على ما وصفته بـ"العبء الجمركي المفرط"، مطالبة بتدخل حكومي عاجل لتخفيف الأضرار الاقتصادية والإسراع في تسهيل إجراءات التخليص الجمركي.
وقبل ايام قلائل أصدرت الهيئة العامة للجمارك في وزارة المالية، توجيهاً باعتماد نسبة تخفيض مقدارها 25% على متوسط القيم الاستيرادية المثبتة في نظام "الاسيكودا".
وشهد العراق، على مدار الشهر الماضي، تظاهرات غاضبة في العديد من المحافظات، احتجاجاً على قرار فرض ضرائب ورسوم جديدة، وتطبيق التعرفة الجمركية على البضائع المستوردة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام