مفاوضات مفاجئة في اليونان بين الحكومة والمزارعين بعد أسابيع من إغلاق الطرق   الإقتصاد نيوز   روسيا تقدم احتجاجاً رسمياً للولايات المتحدة بسبب سفينة النفط المحتجزة   الإقتصاد نيوز   العوادي: صفحات بالتواصل الاجتماعي روجت لفيديوات عن رفع رسوم جمركية تعود لعام 2023   الإقتصاد نيوز   محافظة عراقية تستقبل 1.7 مليون سائح في العام 2025   الإقتصاد نيوز   السوداني يبحث مع كتلة الموقف الوطني النيابي دعم مشاريع الإعمار والنهضة الاقتصادية   الإقتصاد نيوز   العراق ضمن 8 دول نفطية تضيف 450 ألف برميل يومياً   الإقتصاد نيوز   أكثر من ألف شركة تقاضي ترامب بسبب الرسوم الجمركية   الإقتصاد نيوز   الأرجنتين تقترض 3 مليارات دولار لتغطية الدين الخارجي   الإقتصاد نيوز   السوداني يترأس اجتماعاً بشأن إدخال مشاريع الحلول السريعة والذكية لتوفير الطاقة الكهربائية    الإقتصاد نيوز   مستشار السوداني يوضح لـ"الاقتصاد نيوز" تداعيات تثبيت سعر الصرف عند 1300 دينار في موازنة 2026   الإقتصاد نيوز  
 الاقتصاد العراقي وتأثير صدمات الريع النفطي والاختلالات المالية على استدامة سياسات الاستقرار والنمو

 


الدكتور/ هيثم حميد مطلك المنصور 

مع بدء العام الجديد 2026 تستمر معاناة الاقتصاد العراقي من الاختلالات المالية المتراكمة، المتصلة باختلاله الهيكلي المزمن، التي تعمل كسلسلة مترابطة تضعف من قدرة الدولة على بلوغ الاستقرار والنمو . اذ يخضع القطاع المالي للطبيعة الريعية ذاتها كل عام فهي التي تغذي تخصيصات الموازنة وبنودها من الانفاق، وهذا الاعتماد يجعل المالية العامة حساسة لأي انخفاض في الأسعار أو تراجع في الصادرات، فتظهر فجوات مفاجئة في الإيرادات وتتحول بسرعة إلى ضغوط على الإنفاق، وقد تصل إلى تأخير المدفوعات أو تقليص للمشاريع أو زيادة للاقتراض . وبسبب هذا التذبذب يصبح التخطيط طويل الأمد صعبًا، وتضعف القدرة على بناء سياسات تدعم الاستقرار والنمو.
ومع أن تنويع مصادر الدخل من الناتج غير النفطي يعدّ خيارا استراتيجيا لتقليل المخاطر، فإن واقع الإيرادات الضريبية ما يزال أقل من الإمكانات المتاحة بكثير. فالنظام الضريبي لا يعكس حجم الاقتصاد ولا حجم الاستهلاك ولا الاستيراد، ويواجه في الأصل تحديات على راسها غياب الناتج المحلي الإجمالي: الصناعي والزراعي والسياحي، والنتيجة انحسار الجهد الضريبي في النشاطات غير الانتاجية. بينما لا تتشكل قاعدة إيرادات مستقرة تساعد على تمويل الخدمات الأساسية بصورة منتظمة وتمنح الموازنة مرونة من الإيرادات الضريبية لمواجهة الصدمات. والنتيجة أن إدارة الدولة باتت أسيرة للمصدر الريعي الوحيد.
ففي جانب الإنفاق، تبرز مشكلة الاختلال بين الإنفاقين الجاري والاستثماري، إذ تذهب حصة كبيرة من الموازنة إلى الانفاق الاستهلاكي ، بينما يبقى الاستثماري أقل استقرارًا وأكثر عرضة للتخفيض عند أي أزمة. من هنا تكمن خطورة هذا النمط في أنه يستهلك الموارد دون أن يبني أصولًا إنتاجية وبنى تحتية ترفع القدرة الاقتصادية طويلة الاجل. كما أن تضخم كتلة الانفاق التشغيلي خلق التزامات صلبة، خفضت من فاعلية السياسة المالية، فعندما تنخفض الإيرادات لا تستطيع الدولة خفض الانفاق التشغيلي، فتتجه غالبًا إلى تأجيل الاستثمار أو زيادة الاقتراض أو مراكمة المتأخرات، وهو ما يضعف النمو ويزيد هشاشة الاقتصاد.
وحين اللجوء الى التمويل عبر العجز فان المشكلة تنمو أكثر بآليات تمويله، فالاقتراض الداخلي أو الخارجي قد يكون ضروريًا في بعض السنوات لتجاوز فجوات مؤقتة، لكنه يرفع كلفة خدمة الدين ويزاحم موارد الموازنة في المستقبل، وقد يقلل المساحة المتاحة للإنفاق الاستثماري والخدمات. كذلك يؤدي تراكم المتأخرات، مثل مستحقات المقاولين أو الديون المتبادلة بين المؤسسات الحكومية، إلى شلل جزئي في الدورة الاقتصادية، لأن ذلك من شانه تأخير دفع المستحقات المالية المترتبة على الشركات مما يؤخر دفع أجور العمال أو تسديد مبالغ المشتريات أو توسيع نشاطها، فتنتقل الأزمة من سجلات الدولة إلى السوق والوظائف.
وتتفاقم هذه الاختلالات بسبب ضعف كفاءة إدارة الاستثمار العام ومشاريعه، فمشكلات التخطيط غير الدقيق، وتضخم الكلف، وتأخر التنفيذ، وتراجع الجودة، كلها تقلل من "انتاجية النفقة"، أي أن الدولة قد تنفق كثيرًا دون أن تحصل على نتائج موازية في الطرق أو الكهرباء أو المستشفيات أو المدارس.وعندما تكون إدارة المشاريع ضعيفة يصبح الاستثمار العام أقل قدرة على خلق النمو والتوظيف، وتترسخ فكرة ان الإنفاق لا يترجم إلى خدمات، ما يرفع الضغوط السياسية باتجاه زيادة الإنفاق الجاري بدل إصلاح بنيته نحو تعزيز الاستثماري منه.
لذا لا يمكن مناقشة الاختلالات المالية دون الإشارة إلى التناقضات الحاصلة بين الأهداف العامة للاقتصاد والسياسات المتبعة و إجراءات التنفيذ من جانب والصدمات الخارجية التي تتحكم في قدرة السياسة الاقتصادية على تحقيق أهدافها من جانب آخر؛ فمثلا في نظام الصرف الثابت نجد ان اثر تعقيم الكتلة النقدية لتثبيت سعر الصرف الفعلي حول قيمه المستهدفة قد انخفضت استدامته نحو امتصاص اثر ارتفاع التضخم والحد من انخفاض القيمة الحقيقية للدينار و القدرة الشرائية للأفراد ، وبدأ التضخم يحد من الرفاهية، ذلك أن أثر عدم استقرار فجوة الصرف الأجنبي  لم يقتصر على النشاطات المالية بل امتد الى القطاعات الاستهلاكية الأساسية والتي تمثل رصيدا صافيا من الاستيرادات مما يتطلب تدخلا للسياسة النقدية لبلوغ هدف استقرار الدينار. ولما كانت الموازنة العامة تتبع في تمويلها حركة أسعار النفط العالمية وصدماته المخفضة  للايراد النفطي، فان قدرة السياسة الاقتصادية باتت متأثرة هي الأخرى بتقلباتها وصدماتها. ومن هنا ينبغي التنسيق بين اهداف السياسة النقدية والمالية لتحقيق استدامة الدعم الحكومي لاستهداف التضخم والحفاظ على استقرار قيمة الدينار . لذا فأي اضطراب في سوق الدولار أو في قنوات التحويل والامتثال المالي ينعكس على الأسعار والتضخم، ويؤثر في القوة الشرائية والاستقرار الاجتماعي. فعندما يرتفع التضخم أو تتقلب الأسعار تزداد مطالبات رفع الرواتب أو توسيع الدعم، فتعود الضغوط إلى الموازنة من جديد.
أما بالنسبة لاختلال النظام المصرفي فيتضح في ارتفاع حجم القطاع الحكومي في عمليات التوظيف المالي ، ذلك ان النشاط المصرفي يؤدي دورًا محدودًا في تمويل الاقتصاد الحقيقي، وبسبب ضعف الوساطة المالية فأن التمويل طويل الأجل للمشاريع الصناعية والزراعية والخدمية سيبقى ضعيفًا. يرافق ذلك ضعف الشمول المالي وانتشار التعامل النقدي، ما يقلل من فاعلية السياستين المالية والنقدية وعمليات الرقابة والتحصيل، لينعكس ذلك في ضعف قدرة صاحب القرار على بناء قاعدة بيانات اقتصادية تساعد في التخطيط والجباية. وفي بيئة كهذه يصبح القطاع الخاص أكثر هشاشة، ليستمر النشاط الحكومي بوصفه الممول والمشغل الأكبر للقطاع المصرفي ،ما يزيد الضغوط على الموازنة بدل تخفيفها من قبل النشاط الخاص عبر التنويع.
   وغير بعيد عن المشهد فيمثل الفساد وهدر المال العام والتهرب الضريبي، تسربًا مستمرًا من الموارد وإضعافًا للثقة والالتزام. فالفساد يرفع كلفة العقود، ويشوه أولويات الإنفاق، ويقلل جودة التنفيذ. كما أن التهرب الضريبي والتلاعب في بعض حلقات التحصيل أو في بعض المنافذ التجارية يؤدي إلى خسائر مباشرة في الإيرادات. وعندما تتراجع الثقة بالمؤسسات تضعف قابلية المجتمع لقبول إصلاحات ضرورية مثل توسيع القاعدة الضريبية أو إعادة هيكلة الدعم أو تحسين الجباية، فتدخل الدولة في دائرة مفرغة من إصلاحات ناقصة، ثم نتائج محدودة، ثم مقاومة أكبر للإصلاح.
والخلاصة أن الاختلالات المالية في العراق تتركز في ريعية الإيرادات وتقلبها وتضخم الانفاق الجاري مقابل ضعف الاستثمار الفعّال، وعدم استدامة الاستقرار الاقتصادي كونه تابعا ومتأثرا بتذبذبات الناتج النفطي، فضلا عن محدودية دور النظام المصرفي لتمويل النشاط الخاص وحساسية الاقتصاد لاضطرابات العملة الأجنبية.  لذا فان من المعالجات المالية  المهمة إصلاح إداري لأبواب الانفاق الاستهلاكي والاستثماري وربط التوظيف بالإنتاجية، وتحسين إدارة المشاريع من خلال معايير شفافة للتعاقد والرقابة والتقييم، وإعادة بناء القطاع المصرفي والشمول المالي وربطه بالتمويل المنتج. فضلا عن إصلاح قطاعات الخدمات كالكهرباء والماء والاتصالات واعادة تنظيم الجباية فيها وتقليل التسرب منها. بهذه الحزمة المتكاملة يمكن تحويل المال العام من أداة لإدارة الأزمات إلى أداة لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا.
لذا فان من صفوة القول عدم امكانية بلوغ الاستقرار المالي و الاقتصادي و تحقيق النمو من دون معالجة اختلالات العرض الكلي واستدامة الدعم الحكومي لنظام الصرف الثابت، وتحفيز السوق، وتقليص الاعتماد على الاستيراد عبر تنويع مصادر الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وهي في حقيقة الامر سياسات ماتزال ضمن نطاق التخطيط طويل الاجل وتحديات الاختلال الهيكلي المزمن للاقتصاد العراقي التي تتطلب سياسات ومعالجات بنيوية راسخة . 
 


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 372
أضيف 2026/01/07 - 6:25 PM