مشروع الفاو الكبير: نموذجٌ للعقبات الهيكلية أمام الاستثمار في العراق

زينب شُكر

عانى القطاع الاقتصادي غير النفطي في العراق لمدة طويلة من ضعف في التطوير والتراجع على سلّم الأولويات لصالح الاستثمار في قطاع الطاقة. وفي الوقت الذي تكثر فيه الأمثلة، غير أن نظام الموانئ المتقادِم، وكثرة العراقيل التي تواجه المشاريع الجديدة تُعَدُّ نموذجاً جيداً لتوضيح العلاقة بين البيروقراطية المختلة والمصالح المتنافسة للفاعلين السياسيين والمسلحين، ودور ذلك في الفشل بتطوير هذه القطاعات والتخلف الاقتصادي. وتقدم مشاريع مثل “ميناء الفاو الكبير”، و”القناة الجافة” أمثلة صارخة للمشاريع التي تمتلك الإمكانيات لتخفيف الضغط عن الاقتصاد العراقي المتعثر وتنويع مصادر العوائد. مع ذلك، وبالرغم من الفوائد الاقتصادية الموثقة، غير أن هذه المشاريع تواجه عادة الكثير من العراقيل التي تؤخر إطلاقها لسنوات أو القضاء عليها في مهدها كما سنرى لاحقاً.

أنظمة الموانئ في البصرة والخلل الوظيفي المؤسسي المزمن

يُمَثِّلُ العراق حالة مفارقة لدولة تمتلك، من جهة، موقعاً استراتيجياً يربط آسيا وأوروبا ودول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأخرى، وعدد سكان يزداد بسرعة وبحاجة للوصول إلى السلع المستوردة بسبب افتقار البلاد إلى قطاع صناعي متطور يتمتع بالاكتفاء الذاتي. ومن جهة أخرى ما زالت الموانئ العراقية غير متطورة من ناحية البُنْيَة التحتية والتكنولوجيا لمواكبة المتطلبات الاقتصادية والسكانية المتزايدة والدور اللوجستي المهم الذي يمكن للعراق أن يؤديه من الناحية النظرية.

ولعل ما يُعِّقد الحالة العراقية الطابع الريعي الشديد للاقتصاد في العراق الذي يعتمد كثيراً على تصدير النفط ومشتقاته عبر نظام الموانئ العراقية، مثل محطة النفط في خور العمياء ومحطة النفط في البصرة وميناء أم قصر. مع ذلك فإن هذه الموانئ لوحدها لا تكفي لتلبية الطلب المتزايد على تصدير النفط الى الخارج واستيراد السلع الى الداخل. وتُعَدُّ الموانئ الأخرى مثل ميناء البصرة وميناء أبو فلوس موانئ ثانوية تستطيع استقبال شحنات صغيرة فقط. علاوة على ذلك فإن كل الموانئ من ناحية العمق والطاقة تعاني من ضعف في التجهيز لاستقبال سفن أكبر، كما أنّها بحاجة إلى الصيانة والتحديث بشكل منتظم، الأمر الذي يقلص طاقة هذه الموانئ خلال هذه الفترات، ويزيد من أسعار الشحنات.

وبالرغم من اعتماد العراق الكامل على صادرات النفط، يبدو أنّ تجاهل تطوير نظام الموانئ في البصرة يأتي بنتائج عكسية على المصالح الاقتصادية والسياسية الكلية للفاعلين المختلفين الذين يشكلون المشهد الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي في العراق والبصرة. كما يمكن القول بأن الشريط الساحلي الضيق للعراق والأهمية المحدودة لهذه الموارد المولدة للريع أدّت إلى جانب الطاقة المحدودة للبنية التحتية للحد من اهتمام وقدرة العراق على تطوير نظام موانئه على مدى السنوات.

أثارت هذه الظروف التي انطوت على آثار عكسية ومفارقات الكثير من النقاش والحوار والمقترحات في مجال السياسات للتعامل مع هذه الفجوة بين الاحتياجات والأدوات. وتمثلت إحدى الخطط المهمة في ميناء الفاو الكبير والذي – في حال اكتماله – سيكون واحداً من أكبر الموانئ في الشرق الأوسط. وسيتمكن هذا الميناء من التخفيف من بعض الضغوط على الاقتصاد العراقي المتعثر من خلال استيعابه لـ 36 مليون طن من الشحنات بالحاويات، و22 مليون طن من المواد الأخرى المتفرقة، الأمر الذي سيسمح للعراق بتوسيع عملياته البحرية بشكل كبير. كما أن مشروعاً بهذا الحجم يُعَدُّ فرصة مهمة لتنويع القطاع الخاص، والتخفيف من الضغط على القطاع العام المتضخم، إلى جانب الأثر البيئي عبر تقديمه الإمكانات اللوجستية لاستدامة وحماية السواحل في المنطقة.

مشروع قيد الإعداد منذ مدة طويلة

شكلت جهود تطوير القطاع البحري العراقي قضية للنقاش منذ عام 1919 عندما درست القوات البريطانية جدوى وأهمية بناء “مشروع الفاو الكبير”. لكنَّ هذه الخطط انتهت عام 1920 بعد اندلاع الثورة العراقية ضد الاحتلال البريطاني. وجاءت المحاولة الثانية عام 1968 لبناء ميناء كبير في منطقة البيشة، غير أن هذه الخطط توقفت مرة أخرى بسبب انعدام الاستقرار السياسي وضعف التمويل. وعمدت وزارة النقل العراقية عام 1997 على إجراء دراسة حول تكاليف وفوائد إقامة مثل هذا المشروع. وذهب العراق إلى حد الدخول في مفاوضات مع شركات روسية، لكنَّ الظروف الاقتصادية والسياسية آنذاك أدت إلى تقويض انطلاق المشروع.

كما نفَّذت الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003 دراسات وعقدت مؤتمرات وورش عمل حول الموضوع. فعلى سبيل المثال، شَكَّلَت الشركة العامة لموانئ العراق – المسؤولة عن إدارة وتشغيل الموانئ في البلاد – لجنة عام 2005 لدراسة إمكانية إجراء دراسة حول الفوائد الاقتصادية لمشروع الفاو الكبير وإقامة منطقة حرة. وتواصلت اللجنة بشكل متكرر مع وزارتي التخطيط والنقل، غير أن هذه الدراسة لم ترَ النور أبداً. وتلى ذلك محاولات أخرى، خاصة الجهد الذي قامت به شركة “هالكرو” وعرضها تطوير ميناء الفاو الكبير وبناء مدينة تضم منطقة حرة تتسع لنصف مليون نسمة. وكان يُفترض بمثل هذا المشروع أنّ يخفض تكاليف شحن البضائع بين آسيا وأوروبا إلى النصف بسبب تقليص المدة الزمنية للشحن، علاوة على وجود العراق في قلب هذه الشبكة الاقتصادية، غير أن وزارة النقل العراقية رفضت العرض.

وبعد تولي مصطفى الكاظمي رئاسة الوزراء بدأت الحكومة العراقية بالتمهيد لإطلاق المرحلة التالية من مشروع الفاو الكبير عندما وقعت وزارة النقل العراقية عقداً بقيمة 2.625 مليار دولار مع شركة “دايو” الكورية الجنوبية لإنهاء 5 مشاريع في مجال البُنْيَة التحتية في موقع ميناء الفاو الكبير بحلول عام  2025. وينطوي مشروع بهذا الحجم على أثر اقتصادي كبير. على سبيل المثال، وبحسب تقديرات خبراء اقتصاديين عراقيين مثل نبيل المرسومي، فإن عوائد مشروع الفاو الكبير قد تصل إلى نحو 6 تريليون دينار عراقي (بحدود 4 مليارات دولار)  بحلول عام 2038. وهذا الرقم لا يشمل الفوائد الأخرى في قطاعات مثل السياحة والإسكان والنقل.

غير أنَّ هذا المشروع يواجه تحديات كبيرة، بما في ذلك الخلاف بين الشركات المُشَغِّلَة والحكومة العراقية حول عمق الميناء وطوله وتكلفته. وتزامنت هذه الخلافات مع حدث مهم تَمَثَّلَ بانتحار (أو مقتل حسب بعض التقارير) مدير بارز في شركة “دايو للهندسة والبناء” والذي عُثر عليه معلَقاً في مجمع الشركة في البصرة عام 2020. وجاءت هذه الحادثة بعد أيام فقط من إعلان وزارة النقل العراقية عن قُرب التوقيع على عقد المرحلة الأولى من المشروع. 

كما يدرس العراق احتمال بناء “قناة جافة” أو شبكة للسكك الحديد الكهربائية بطول 1,200 كيلومتر، إلى جانب طرق سريعة جديدة تمتد من ميناء الفاو في البصرة إلى تركيا، ومن ثم الربط بشبكة سكك الحديد الأوروبية، ما يجعل هذا المشروع الأول من نوعه. إن هذا المشروع، الذي يستند على خطة تعاون بين العراق والشركات التركية، سيكون له، من الناحية النظرية، فائدة اقتصادية كبيرة للعراق لأنه سيسمح للبلاد بالاستفادة من شبكة السكك الحديدية المُدمّرة، وسيجعل منه مركزاً اقتصادياً لنقل البضائع والخدمات بين أوروبا وآسيا. لقد واجه هذا المشروع أيضًا تحدّيات كبيرة من أجل البدء به، وفقط في أواخر فبراير 2023 أيّدت الحكومة الحالية المشروع، والذي قد لا يُترجم بالضرورة إلى عمل حقيقي على أرض الواقع.

وفي شهر يناير 2023، تحدث المسؤولون العراقيون عن إنجاز 40% من “مشروع الأرصفة الخمسة” لميناء الفاو، وأن مشاريع أخرى في مراحل مُختلفة من الإنجاز. وتُناقَش أيضاً خططٌ لبناء سكة حديد يُمكن أن تربط أم قصر بميناء الفاو الكبير، والتي إذا نُفِّذت، سيزيد المشروع من كفاءة النقل بين المحوريّْن الاقتصاديين الرئيسيْن وسيسمح للعراق بامتلاك أداة تكيّف مُهمّة مع التدهوّر الكبير في الظروف المناخية. وبشكل أكثر تحديداً، وفي ظل هذه الظروف المناخية القاسية التي تأتي في شكل عواصف رملية وترابية غريبة، بخاصةٍ في جنوب العراق، يُمكن لنظام سكك حديدية مُتطوّر أن يُقلّل من الانقطاع في خدمة النقل، ويحدّ من التأثير الاقتصادي للكوارث المناخية في المنطقة.

الفاو الكبير والفساد الأكبر!

إن الدور المُهم لميناء الفاو بوصفه بديلاً لميناء أم قصر (الذي سيُربَط بمشروع الفاو الكبير من خلال نفق عبر ممر خور الزبير المائي) باعتباره الميناء العميق الوحيد في العراق – أوجد فرصة للهيمنة على الموارد بين القوى المُتنافسة في العراق. وعلى سبيل المثال، عُلِّق المشروع لعدة سنوات على الرغم من دوره الاقتصادي الأساسي، ويرجع ذلك أساساً إلى القوى المُتنافسة المعنيّة والطبيعة الهجينة للدولة. وغالباً ما تحدّ التعيينات قصيرة الأجل في المناصب الرئيسة من قبل مُختلف الفاعلين السياسيين عبر نظام مُعقّد من المحاصصة والمحسوبية والزبائنية من قدرة النظام البيروقراطي على دعم المشاريع المُستمرة وطويلة الأجل التي تعود بالفائدة على الدولة.

وغالباً ما تتسبب القدرة المحدودة للدولة واتجاه القوى السياسية المهيمنة الى إعطاء الأولوية للمصالح الشخصية والفئوية على المصالح الوطنية، بتعطيل أو إبطاء المشاريع. فضلاً عن أن الآلية البيروقراطية البطيئة تُقوّض المشاريع الفعّالة بشكل أكبر. وعلى سبيل المثال، تُظهر المعلومات أن عرض شركة “دايو” لمشروع الفاو الكبير كان أكثر تكلفةً مُقارنةً بعروض الشركات الصينية الأخرى. وبالرغم من ذلك، رفض بعض الفصائل السياسية العراقية المشروع وأبطأته لأنها تدعم بشكل مُباشر مشروع طريق الحرير الكبير في الصين، والذي من المُتوقّع أن يكون العراق مركزه.

وهذه العقبات بحد ذاتها ليست حكراً على مشروع الفاو الكبير؛ فقد أدت بيئة الاستثمار في العراق دوراً في تقويض الاستثمار والتطوير الفعّال للمشاريع في البلاد. فالانهيار البطيء لمشروع كبير آخر، كما رأينا في حالة الصفقة التي كانت ستُنفّذ على مدار عدة سنوات بقيمة 27 مليار دولار بين شركة “توتال إنيرجيز” والعراق. لقد كان المشروع يُمثّل خطوة مُهمة نحو تطوير قطاع الطاقة في البلاد، بخاصةٍ فيما يتعلّق بمُعالجة الغاز المُحترق في حقول النفط، وبناء بدائل الطاقة النظيفة، والتي كانت هدفاً للعراق – من الناحية النظرية – لفترة طويلة، حيث يُعدّ ذلك مثالاً آخر على الخلل الوظيفي المُمنهج في مؤسّسات الدولة وهيمنة مصالح الفاعلين دون الدولة على مصالح الدولة نفسها.

نتيجةً لذلك، ونظراً لكلفته المالية الكبيرة وأهميته السياسية والاجتماعية، يُمثّل مشروع الفاو الكبير هدفاً اقتصادياً وسياسياً مُهمّاً، حيث يسعى العديد من الفاعلين السياسيين والجماعات المُسلّحة إلى السيطرة عليه أو تقويضه لتحقيق مكاسب شخصية وأهداف سياسية. إن تأثير نظام الحكم في العراق وتأثير مثل هذه البيئة على قطاع الاستثمار يتجلّى بشكل أكبر في مُحافظة البصرة، والمعروفة أيضاً باسم عاصمة الفساد في العراق. تُعتبر المُحافظة بوابة الدخول الرئيسة للبضائع إلى البلاد، والمُساهم الرئيس في ميزانية العراق عبر قطاع النفط. وعلى الرغم الموارد الاقتصادية واللوجستية الضخمة التي تمتلكها المُحافظة، فإن مقداراً ضئيلاً من تلك الموارد يستفيد منه السُكان المحلييّن، ما يجعل البصرة أيضاً واحدة من أفقر المُحافظات في العراق، حيث يُعاني سُكّانها أزمة بطالة خانقة. وبحسب تقديرات اقتصاديين عراقيين، بلغت مُعدّلات البطالة في المُحافظة 20% – 25% بين السكان، وحوالي 30% بين الشباب في عام  2018.

استنتاجات

يكمُن جوهر مُشكلة البصرة الاقتصادية، في نظام تقسيم الموارد بين مُختلف الفاعلين المُتنافسين الذين يُسيطرون على المناصب المُهمّة والرئيسة داخل الحكومة، وقد أدّى ذلك إلى نتيجتين أساسيتين. أولاً، غالباً ما تؤخر المشاريع الاستثمارية أو تُعاق أو حتى تُرفَض بسبب المُنافسة الشرسة بين مُختلف القوى المُتنافسة. إن تقسيم المناصب داخل سلطة الموانئ مُجرّد مثال واحد على تلك المشكلة المُمنهجة. ثانياً، وفي حال تجاوز المشروع هذه العقبات الأوّلية وتبلّور على أرض الواقع، فإن أولئك الذين يستفيدون منه بشكل أكثر – بخلاف الفاعلين الهجينين الذين بادروا بإطلاق المشروع – هم أطراف يُمكنهم تعبئة البعد الهوياتي وشبكة المحسوبية لصالحهم. وفي كثير من الأحيان، نادراً ما يستفيد المواطن العادي من مثل هذه المشاريع الاقتصادية. علاوة على ذلك، مع اعتماد الدولة على قطاع الطاقة، فإن تنويع الاقتصاد من خلال الاستثمار في نظام الموانئ الخاص بها يُمكن أن يُخفّف من التقلّبات في النظام الاقتصادي العراقي.

ومع هذا، فإن الاعتماد على الموانئ كنقاط للخروج والدخول فقط في البلاد، من دون تطوير البنية التحتية حول هذه الموانئ التي تنخرط في الخدمات اللوجستية وأنشطة التطوير الأخرى، يُمكن أن يحوّل هذه المشاريع إلى مجرد مصدر ريعي آخر يستفيد منه الفاعلون السياسيون والمسلحون. نتيجة لذلك، تواجه المشاريع المُعقّدة مثل مشروع الفاو الكبير وغيره من المشاريع عقبات مُتعدّدة المستويات بدءاً من مرحلة المناقشة إلى المرحلة النهائية لهذه المشاريع. وبهذا المعنى، فإن النهج الأكثر واقعية لتقييم هذه المشاريع هو النظر إليها بوصفها خياراً بين شرّين؛ فإمّا ألاّ تكون هناك تنمية اقتصادية، ولا تخلق وظائف جديدة، والتخلي عن فكرة تنويع الاقتصاد، أو إطلاق مشروع اقتصادي ضخم – مثل ميناء الفاو الكبير – مع قبول حقيقة أنه سيدخل ويتأثر بنظام الفساد والتخادُم القائم حالياً.

.


مشاهدات 2274
أضيف 2023/04/06 - 9:47 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 4223 الشهر 65535 الكلي 8822664
الوقت الآن
الإثنين 2024/6/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير