00964 781 014 6125     info@Economy-News.net
  هيكلة الشركات الحكومية.. إلى أين ؟
شكران خضر
مقالات
شكران خضر

كثيرة هي العوامل التي تلعب دوراً مهماً في الساحة الأقتصادية العراقية، ولكن يبقى عاملا القرار السياسي، والأنتاج النفطي هما العاملين الرئيسيين اللذين كانا وما يزالان يؤثران بشكل فعال في السياسة الأقتصادية العراقية.

وبحلول عام (2003) تولدت القناعة لدى الجميع بأن العراق، وبعد مغادرته حقبة زمنية قاسية تركت من خلالها آثاراً سيئة على خارطته الأقتصادية، سوف يقبل على مرحلة جديدة يستند فيها على أقتصاد السوق، وتمت المباشرة  بتبنيّ مرتكزات جديدة، حيث توسعت الآفاق وتم أعداد البرامج، وعقدت العشرات من مؤتمرات الأعمار في عواصم الدول العديدة، التي أبدت قسم منها الأستعداد بأسقاط الديون القديمة، والقسم الآخر بتقديم المنح والتسهيلات، وتقدمت الشركات العالمية بعروض مغرية، وبدأ العراق شيئاً فشيئاً بأستعادة مكانته بين الدول كقوة أقتصادية فاعلة.

ولكن رغم التشخيص الصحيح، والتخطيط الجيد، والبرامج المعلنة في عام (2005)، وتفاؤل جميع المؤسسات الأقتصادية داخلياً، والتعاون المثمر المقدم خارجياً، لم تكن النتائج بناءة، ولم تحقق شيئاً على أرض الواقع، بسبب الأزمات المتعددة والمتتالية، التي جعلت من الملف الأقتصادي ضحية الملفات الأخرى.

في حين أن معظم الدول المتقدمة تتعامل مع الملف الأقتصادي ضمن أهم أولوياتها، وتكرس معظم جهودها من أجل دعم النشاط الأقتصادي، وترى من الضروري أن يكون القرار الأقتصادي في الدولة تابعاً للنشاط الأقتصادي ومتغيراته، وبعيداً عن أيديولوجية النظام السياسي وردود أفعالها نتيجة الضغوط الخارجية والداخلية، وأن يكون تدخل الدولة ضمن نطاق تحديد نوع وحجم القيود والعوائق التي تعترض التنمية، من أجل توفير الدعم الكامل لأحداث التغييرات في الهيكلية الأقتصادية، وتهيأتها للدخول في المنافسة في الأسواق المحلية.

وأن أجراءات التحول من التنمية بالتخطيط المركزي بقيادة القطاع العام الى التنمية بالخصخصة وأقتصاد السوق (كما هو مخطط له)، يجب أن يأخذ بنظر الأعتبار عوامل النجاح، وبشكل مدروس، للوصول الى الطريق المنشود، خصوصاً أن جميع المراحل الزمنية السابقة والحالية، كانت محكومة بالمناخ غير المستقر.

فقد تم أعداد برنامج ستراتيجية التنمية الوطنية الذي صدر من وزارة التخطيط للمدة التي حددتها بالأعوام (2007 - 2005) والذي تبنىّ من خلاله هيكلة الأقتصاد الوطني وتوسيع قاعدته الأنتاجية كماً ونوعاً إعتماداً على آليات السوق، وتحرير الأسعار والتجارة من القيود  الكمية والنوعية، على أن يتولى القطاع الخاص القيادة في تحقيق ذلك من خلال تعزيز قدراته المالية والفنية، وكذلك أصلاح (158) شركة حكومية تعرضت للدمار والتخريب من أصل (192) شركة تمتلكها الحكومة العراقية، يعمل فيها بحدود (700) ألف منتسب.

ورغم كل هذه الأجراءات التي تم التصريح بها، لم يتحقق شيء على أرض الواقع وعلى صعيد كلا القطاعين، فبقيت نسبة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الأجمالي في نفس المعدلات (%30) ولم يتم تطبيق إجراءات الأصلاح للشركات الحكومية، رغم إعداد خطة متكاملة تتكون من عدة مراحل (ما بين التصفية والهيكلة والخصخصة) بعد تصنيف وتحديد الشركات تبعاً لحالتها الأقتصادية.

بل تم تحميل الدولة عبئاً أضافياً من خلال إعادة المفصولين السياسيين الى الخدمة للعمل في الشركات، وتم صرف رواتبهم المتراكمة، وكذلك الأستمرار بالتعيينات الجديدة.

وبحلول عام (2010) تم توسيع الدراسة المعدة لأصلاح الشركات الحكومية من قبل هيئة المستشارين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وإشراك ممثلين من الوزارات المعنية ووزارة المالية، وتم إعداد خارطة طريق صادق عليها مجلس الوزراء بالقرار رقم (314) لسنة (2010) ولم تتمكن الحكومة السابقة من تنفيذ توصياتها.

وتم الخروج بتوصيات بضرورة التعاقد مع شركات أستشارية عالمية لدراسة وضع كل شركة من حيث تثبيت رأس مالها وأصولها وتثبيت ديونها وإلتزاماتها وكيفية معالجة الكادر الفائض، وتهيئة البرامج الخاصة لكل شركة للتحول الى شركة رابحة، على أن يتم ذلك خلال مدة زمنية أقصاها (4) سنوات من تأريخ إكمال الدراسة.

وبعد التعاقد مع هذه الشركات الأستشارية عام (2012) وإستكمال الدراسات الدقيقة عن وضع الشركات في منتصف عام (2015)، لم يتحقق أي تغيير يذكر في وضع الشركات، عدا تقليص قسم من الكوادر (من الذين تجاوزت أعمارهم الخمسين سنة ولديهم خدمة أكثر من 15 سنة)، مستفيدين من قانون التقاعد الموحد الذي أعطى الشرعية لتلك الأجراءات، مع الأستمرار في أجراء التعيينات بصفة عقود أو أجر يومي.

واليوم وبعد مرور خمسة عشر عاماً من إعلان التحول وتصويب المسار، بقيت البرامج المعلنة، مجزأة، خالية من الستراتيجية المترابطة، تعيد وتكرر نفسها، ولم نشهد الأستفادة من المعلومات والدراسات التي تم أعدادها من قبل الشركات الأستشارية والتي تم حفظها في أرشيف الشركات، وأصبحنا نمتلك خارطة أقتصادية مجزأة غير مجدية، لأننا نفتقر الى البوصلة التي تمكننا من تحديد الأتجاهات الصحيحة.

لقد خضعت الدراسة التي أعدها فريق هيئة المستشارين في رئاسة الوزراء الى مجموعة من الأجتهادات والتقاطعات نتيجة تعدد مصادر القرار فيها، مما أفرغتها من محتواها الحقيقي وحيّـدتها من مسارها المرسوم، ولم يتم التعامل بجدية تتناسب مع حجم المشكلة ومعاناة الشركات، ولم تقدّر الدراسة أننا أمام نقطة تحول حقيقية في السياسة الأقتصادية، وأننا نتعامل مع أضخم عدد من المؤسسات التي تشكل مفاصل مهمة في إدارة الدولة، وتشكل مفاصل حيوية في أقتصادها، وتضم مئات الآلاف من المنتسبين وتمتلك من الأصول والموجودات كلفت الدولة عشرات التريليونات من الدنانير، فكان تعاطي الفريق مع مواضيع الدراسة ومساهماته في وضع الحلول إنتقائياً، لأن التوجهات كانت محمّلة بأفكار وأستنتاجات مسبقة قبل الشروع بالدراسة، إضافة إلى عدم تمكن الدراسة من التخلص من تأثيرات توجهات البنك الدولي.

ورغم أن رؤية الفريق الى مشكلة الشركات، كانت مفعمة بالأمل وتتطلع الى تخطيط حقيقي للتغيير، وكما جاء في مقدمة الدراسة ((جعل الشركات العامة وحدات اقتصادية تعمل وفق مباديء اقتصادية ومعايير تجارية، الربح والخسارة، وتتمتع منتجاتها بالتنافسية إقليمياً وعالمياً، تعتمد التميز والإبداع، وتساهم في نمو وتطور الاقتصاد الوطني باتجاه تنوعه، وتخلق فرص عمل وتستخدم الموارد بفاعلية وكفاءة اقتصادية ومسؤولية)) وكذلك ((لا يوجد نموذج محدد للهيكلة والتحول، وانما تتم دراسة الشركات حالة بحالة ولكل منها يتم اتخاذ الإجراء المناسب)).

إلا أن المعالجات إقتصرت في محورين أساسيين، هما كيفية التخلص من العمالة الفائضة، وكيفية تقليص مساهمة الدولة في تحمل الأعباء المالية للشركات، وحتى أن التقييم الذي تم أعتماده في تصنيف الشركات الى (رابحة أو خاسرة) ، (مجدية، غير مجدية) إستندت الى محورين فقط، هما أعداد منتسبيها ومدى مساهمة الدولة في تغطية رواتبهم.

ولم تعتمد المعايير الأقتصادية الأخرى مثل (الأداء المالي، الربحية، تقييم المنتجات والخدمات، التسويق والمبيعات، تطور الأنتاج والخدمات، الموارد البشرية) وهذا التقييم لا يعكس الصورة الحقيقية لوضع الشركات ومدى نجاح التحول.

فقد أعتبرت الدراسة قسم من الشركات رابحة رغم أن الدولة كانت قد تحملت جميع المبالغ المرصودة لتطوير وتأهيل وصيانة منشآتها من الموازنة العامة، بل أن الدراسة إنتقدت آلية إعتماد مبدأ (الربح – الخسارة) في تقييم الشركات، وأعتبرت الطريقة المتبعة في الأحتساب غير حقيقية ومشوهة.

وأعتمدت الدراسة على إفتراضات مسبقة مثل ((حتى لو تم توفير الطاقة لـ(24) ساعة في اليوم، والتخلص من العمالة الفائضة، فأن ذلك لن يساهم في تحقيق الربح ولن تكون الشركات مجدية !!!!))، بل ذهبت الى إستنتاجات أبعد مثل ((لا يمكن إبقاء الشركات تحت الأدارة العامة للدولة ، حتى وإن كانت مربحة، وتعمل وفق آليات السوق، وكانت منتجاتها منافسة وكفوءة !!!)) وحاولت الدراسة أن تقدم مشروع التحول متفادية طرح عنوان (الخصخصة)، أو طرحت العنوان مع تقديم التوضيح والتبرير من أجل تخفيف صدمتها وآثارها، كون كلمة (الخصخصة) تحمل مفاهيم حساسة لدى المجتمع العراقي، لأنها تعني تخلي الدولة عن منتسبيها وتركهم أمام فكي أفتراس القطاع الخاص الذي يحمل صورة مشوهة تأريخياً، وكما جاء في نصوص الدراسة ((لا تتم الخصخصة من أجل الخصخصة ولكن وفق معايير مقارنة تجعل من أداء الشركات خارج إطار الدولة أكثر جدوى أقتصادياً من بقائها ضمن الدولة، كما أن الخصخصة لا تعني البيع بالكامل لأن دخول القطاع الخاص بأي نسبة كانت في (الإدارة) أو في (الإدارة والملكية) معاً للشركات هو بحد ذاته (خصخصة) بدرجات متفاوتة، حيث يمكن للشركات خصخصة بعض أنشطتها دون بعض وفق عقود متعددة ومختلفة من شركة لأخرى)).

وكانت خلاصة الدراسة كما يلي :-

1)     تضمنت الدراسة حالة (157) شركة من أصل (176) شركة حكومية ، البالغة عدد منتسبيهم بحدود (500) ألف منتسب.

2)     تصفية (17) شركة خاسرة وغير مجدية.

3)     الأبقاء على (44) شركة رابحة أو مجدية مع تطبيق الأصلاح.

4)     عرض (96) شركة لـ(الأصلاح، الهيكلة، الأستثمار، الخصخصة، التحول) .

5)     تحويل  (181) ألف منتسب أي بحدود (%36) من العدد الكلي الى (مركز تنمية الأعمال) الذي يتم إنشاؤه في مقرات الوزارات لغرض تأهيلهم أو إحالتهم الى التقاعد، وتسريح أوتقليص (22) ألف منتسب من الأجراء اليوميين.

وهكذا إنحسرت الدراسة بالتصفية، للشركات الخاسرة، والهيكلة والأصلاح للشركات المجدية، والخصخصة لبقية الشركات، ولم يتم إنشاء مركز تنمية الأعمال، بل تمت الأستفادة من قانون التقاعد الموحد وإحالة عدد كبير من المنتسبين الى التقاعد، إضافة الى فسح المجال أمام المنتسبين بتقديم إجازة طويلة لمدة (5) سنوات مع إحتفاظهم بالراتب الأسمي وحق ممارسة العمل لدى القطاع الخاص أثناء تمتعهم بالأجازة.

ويمكننا أن نلخص الأسباب الحقيقية لفشل برامج التحول وخصوصاً هيكلة شركات القطاع العام وكما يلي :-

1.     غموض أدوار القطاع العام والخاص في الخارطة الأقتصادية، وعدم وجود برامج أقتصادية مدروسة وواضحة خصوصاً لبرامج التحول المقترحة.

2.     تدهور المناخ العام للوضع الأقتصادي نتيجة القرارات الأرتجالية والمفاجئة بسبب التقلبات السياسية والتي خلقت بيئة طاردة للأستثمار المحلي والأجنبي.

3.     خلل في التشريعات (نقص وتقاطع) تربك الأدارات عند أتخاذ القرارات ، وكذلك تعدد مصادر القرار.

4.     أفتقار المؤسسات المالية والأقتصادية الى مباديء الأدارة الرشيدة التي أفقدتها ثقة المستثمرين.

5.     الفساد المستشري وخصوصاً في مفاصل القطاع العام.

6.     معظم الدراسات التي تم أعدادها كانت نظرية، مثالية (وخصوصاً من حيث كيفية التخلص من الكادر الفائض ، كيفية زيادة الأيرادات وتقليص النفقات، كيفية التطوير والتأهيل، كيفية زيادة أنتاجية الوحدات الأنتاجية، كيفية الحصول على فرص عمل جديدة) كون معظم المعالجات المطروحة ضمن خارطة طريق هيكلة الشركات، خارج مقدرة وصلاحيات الشركات العامة، وتخص جهات أخرى متعددة تشكل الشركات فيها أضعف الحلقات.

7.     العمالة الفائضة ترعب المستثمرين، وغياب السياسات الواضحة لدى القطاع العام في كيفية التخلص من الفائضين أو كيفية تأهيلهم للأستفادة منهم في أنشطة جديدة.

8.     غياب التشخيص الحقيقي لمعايير الربح والخسارة في شركات القطاع العام، وعدم تحديد الخط الأدنى وخط الشروع في مفاصل عملها.

9.     عقلية العاملين في القطاع العام  إتكالية غير تنافسية، وبعيدون عن ثقافة السوق، وهناك مقاومة لأجراءات التحول الى الخصخصة، لأنها ستفقدهم الكثير من الأمتيازات التي يتمتعون بها وخصوصاً الأدارات العليا.

10.   هيمنة الوزارة على معظم قرارات شركات القطاع العام، وهناك تمسك من الوزارات بعدم  إنفصال الشركات منها أو عدم السماح لها بأستقلالية القرارات.

11.   عدم إمكانية تقدير رأس المال الثابت والمتداول سواءاً بالقيمة الدفترية أو الجارية للشركات، حيث إقتصر التخمين للأصول والموجودات من قبل الشركة الأستشارية المكلفة بأعداد الدراسة وبالأستناد الى التشاور مع الشركة العامة والمكاتب التجارية المحلية مع عدم مصادقة وزارة المالية على التخمين، وهذه الضبابية في تثبيت وضع الشركات لم تخدم البرامج المعلنة والدراسات المعدة.

12.   لم تتطرق الدراسة الى كيفية معالجة الديون القديمة والألتزامات السابقة للشركات.

13.   لم تقدم الدراسة حلولاً حقيقية للمعامل والمصانع الحكومية، حيث أن حالة المعامل الأنتاجية التابعة الى الشركات العامة متشابهة ولا تبشر بأمل جديد، كون معظمها ذات مناشيء قديمة، تعرضت الى الدمار والتخريب نتيجة الحروب والتخريب والنهب وقد تحولت معظمها الى مواقع متروكة نتيجة  إنهيار البنى التحتية لها، والمتبقي منها حالياً تعاني من سوء الأدارة ، نتيجة العقلية المسيطرة على القائمين بالتشغيل، كون مردوداتهم ثابتة نتيجة إلتزامهم بالتواجد والدوام فقط ( مثل أي منتسب أداري آخر ضمن مؤسسات الدولة الأخرى)، مع عدم  وجود ترابط بين المردود المالي للمنتسب والأنتاجية في ظل غياب نظام الحوافز، وتعاني معظم هذه المعامل من التقادم والأستهلاك نتيجة إستيرادها منذ ثمانينات القرن الماضي (تقنيات قديمة)، و تعاني من التدني في الأنتاجية بسبب نقص الطاقة، وزيادة في كلف الأنتاجية، وأن السلع المنتجة غير قادرة على الدخول في المنافسة في السوق.

عدد المشـاهدات 398   تاريخ الإضافـة 06/07/2021
أضف تقييـم
تواصل معنا
 07810146125
 info@Economy-News.net
الأربعاء 2021/10/27   توقيـت بغداد
تابعنا على