
د. هيثم حميد مطلك المنصور / خبير اقتصادي
في ظلّ التصاعد المتسارع للأحداث على الساحتين الإقليمية والدولية، ولا سيما الصراع الإيراني–الأمريكي–الإسرائيلي، تتزايد آثاره المباشرة وغير المباشرة على المتغيرات الاقتصادية العالمية، وفي مقدمتها أسواق الطاقة والمال. فقد أظهرت البيانات الحديثة ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار النفط عقب الضربات العسكرية وتنامي حدة التوتر، إذ ارتفع خام برنت القياسي إلى حدود 70 دولارًا للبرميل، مسجلًا أعلى مستوى له منذ منتصف عام 2025، وسط توقعات باستمرار الاتجاه الصعودي في حال إطالة أمد النزاع أو تأثر الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة عالميًا، حيث تمر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمية. وبناءً عليه، فإن أي تهديد لأمن هذا الممر ينعكس سريعًا وبقوة على استقرار الأسواق الدولية.
وتشير التجارب السابقة إلى أن تصاعد التوترات الجيوسياسية، حتى في غياب تعطيل فعلي للإمدادات، يدفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر للحفاض على مستوى العائد المتوقع ، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتحول المستثمرين نحو استراتيجيات أكثر تحفظًا في إدارة محافظهم الاستثمارية. وفي هذا الإطار، فإن الارتفاع الحالي في أسعار النفط لا يعكس فقط توازنات العرض والطلب التقليدية، بل يتضمن عاملًا إضافيًا يتمثل في ما يُعرف بـ(علاوة المخاطر الجيوسياسية)، وهي تكلفة غير مباشرة يفرضها المستثمرون والمضاربون نتيجة تنامي المخاوف من تعطل الإمدادات أو اتساع نطاق الصراع.
كما أصبحت حركة الأسعار في المرحلة الراهنة أكثر ارتباطًا بالتطورات السياسية والعسكرية منها بالمؤشرات الاقتصادية البحتة، ما أسهم في تعميق حالة عدم اليقين في الأسواق المالية العالمية. وقد انعكس ذلك بوضوح على أسواق الأسهم والعملات، حيث اتجهت رؤوس الأموال نحو الأصول الآمنة، مقابل تعرض أسهم الشركات الصناعية وشركات النقل والطاقة لضغوط متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج. فقد ارتفع سعر الذهب من 1,950 دولارًا للأونصة إلى 1,985 دولارًا للأونصة، مسجّلًا ارتفاعًا بنسبة 1.8٪، في حين انخفض العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات من 3.76٪ إلى 3.64٪، مما يعكس زيادة الطلب على الأمان.
على الجانب الآخر، تأثرت أسهم الشركات الصناعية وشركات النقل والطاقة بشكل واضح. فقد تراجع مؤشر S&P 500 للطاقة من 650 نقطة إلى 635 نقطة، بانخفاض نسبته 2.3٪، بينما هبطت أسهم شركات الطيران الكبرى مثل Delta وUnited بنسبة 2.7٪، نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل الناجمة عن صعود أسعار النفط الخام من 68 دولارًا إلى 72.5 دولارًا للبرميل لخام برنت، وارتفاع خام غرب تكساس الوسيط من 64.5 دولارًا إلى 67 دولارًا للبرميل. تعكس هذه الأرقام الترابط الوثيق بين أسواق الطاقة والأسواق المالية، حيث يمكن لأي اضطراب في الإمدادات أو زيادة في الأسعار أن يؤدي سريعًا إلى تحولات ملموسة في الأسهم وتوجيه الاستثمارات نحو الأصول الآمنة.
وفي سوق النفط وعلى المدى المتوسط، وفي حال استمرار التصعيد دون التوصل إلى تسوية سياسية فعالة، يُرجح أن تتجه أسعار النفط نحو مستويات تتراوح بين 80 و100 دولار للبرميل، ولا سيما إذا تعرضت تدفقات الخام لاضطرابات مباشرة نتيجة إغلاق مضيق هرمز أو استهداف البنية التحتية النفطية في المنطقة. وفي مثل هذا السيناريو، ستواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة ضغوطًا تضخمية متصاعدة، وتراجعًا في معدلات النمو، في حين قد تحقق الدول المنتجة، ومنها العراق، مكاسب مالية مؤقتة على المدى القصير، إلا أنها ستكون مصحوبة بمخاطر عالية ناجمة عن تقلبات الأسعار وعدم استقرار الإيرادات.
وبسبب التوترات الأخيرة وانعكاساتها على الاسواق فعلى المدى القصير ،نجد ان الأسواق عادة تتباطأ عند ارتفاع أسعار النفط لأن ارتفاع الطاقة يزيد من تكاليف الشركات ويؤثر على أرباحها. بينما على المدى المتوسط: في حال لم يحدث تعطيل فعلي للإمدادات، قد تبقى الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبياً مع بقاء الطلب العالمي مستمرا، لكنها قد تتراجع تدريجيًا إذا هدأت التوترات أو زاد إنتاج الدول الكبرى. ومنه يلاحظ ارتفاع سعر خام برنت إلى حوالي 72 – 73 دولارًا للبرميل خلال الأسبوع الأخير وسط توترات التصعيد العسكري ضد إيران، وهو أعلى مستوى في حوالي 7 أشهر، مع توقعات بأن النزاع قد يدفع الأسعار نحو 80 دولارًا وحتى أكثر من 100 دولار في حال تعطيل الإمدادات عبر مضيق هرمز . وقد تم تسعير هذه الارتفاعات أيضًا بعلاوة مخاطر قدرها 4 – 10 دولارات لكل برميل في تنبؤات بعض البنوك ، نتيجة المخاوف من التأثيرات الأمنية المحتملة على الأسواق.
وبالفعل فقد سجلت أسواق النفط اليوم 1 مارس 2026 ارتفاعًا واضحًا نتيجة تصاعد العامل الجيوسياسي في الشرق الأوسط، ولا سيما بعد الضربات الأميركية‑الإسرائيلية ضد إيران وردودها العسكرية، مما زاد من مخاطر تعطيل الإمدادات عبر مضيق هرمز وكما يأتي:
استقر خام برنت القياسي حول 72.50 دولارًا للبرميل في إغلاق التداولات، مرتفعًا بنسبة أكثر من 2 % خلال الجلسة.
أغلق خام غرب تكساس الوسيط (WTI) الأمريكي عند 67 دولارًا للبرميل.
بعد اضافة الأسواق علاوة مخاطرة جيوسياسية تتراوح بين 8 – 10 دولارات للبرميل فوق المستوى الأساسي نتيجة المخاوف من تأثير النزاع على الإمدادات.
وتشير التقديرات الحالية إلى أن سعر خام برنت مرشّح للارتفاع إلى حدود 80 دولارًا للبرميل في حال استمرار التوترات ، وقد يتجاوز 100 دولار في السيناريو الأسوأ الذي يشمل تعطيلًا فعليًا لإمدادات النفط عبر مضيق هرمز. وفي ضوء هذه التطورات، باتت أوبك+ تنظر بجدية في خيار زيادة أكبر للإمدادات خلال اجتماعها الطارئ اليوم، في محاولة لاحتواء الضغوط السعرية وتوفير احتياطي سيولة كافٍ للأسواق العالمية.
ويأتي هذا التوجه في ظل تصاعد مخاطر اندلاع حرب إقليمية أوسع تهدد أهم ممرات عبور النفط في العالم، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا لتجارة الطاقة الدولية. وفي هذه الأجواء المتوترة، تتحرك كبريات شركات الطاقة والدول المنتجة لتهدئة الأسواق، مع وصول الصراع في الشرق الأوسط إلى مرحلة حرجة، ولا سيما بعد أن أسهمت العمليات العسكرية الأخيرة في إغلاق نافذة دبلوماسية قصيرة كانت قد انفتحت خلال شهر فبراير الماضي. كما أدى ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية إلى تعزيز احتمالات ردّ إيراني يستهدف القواعد الأمريكية أو المنشآت النفطية في دول الخليج، وهو تهديد أعلنته طهران مرارًا في الأسابيع الأخيرة. ويُشكّل هذا الواقع عامل ضغط إضافي على تحالف أوبك+ لمنع حدوث قفزات حادة في الأسعار قد تُقوّض مسار التعافي الاقتصادي العالمي وتُفاقم معدلات التضخم.
وفي هذا السياق، لم يعد القلق الرئيسي لدى المتعاملين في الأسواق مقتصرًا على “تهديد” الصراع بحد ذاته، بل بات يتمحور حول احتمال فرض حصار فعلي على مضيق هرمز أو تعرّض منشآت المعالجة والتصدير الإقليمية لأضرار مباشرة. وهو ما يجعل قرارات أوبك+ الإنتاجية في المرحلة الحالية موضع اختبار حقيقي، باعتبارها أحد أبرز أدوات الاستقرار المتبقية في سوق يشهد أعلى مستويات عدم اليقين منذ سنوات.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن المرحلة الراهنة تمثل اختبارًا حقيقيًا لمرونة النظام النفطي العالمي، ولقدرة الدول المنتجة والمؤسسات الدولية على احتواء الصدمات الجيوسياسية المتكررة. فاستمرار التوترات من شأنه أن يزيد من هشاشة سوق النفط ويعمّق ارتباطه بالمخاطر السياسية، الأمر الذي يفرض على الدول الريعية، ولا سيما العراق، تبني سياسات مالية أكثر انضباطًا، وتعزيز برامج تنويع الاقتصاد، وبناء هوامش أمان مالية، بما يضمن تقليل الاعتماد المفرط على العائدات النفطية، ومواجهة احتمالات عدم الاستقرار في المستقبل.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام