
يُعد العراق أحد أكبر مالكي احتياطيات النفط في العالم، بأكثر من 145 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة. في عام 2024م، أنتجت البلاد ما يقرب من 4.4 مليون برميل من النفط يومياً وصدرت 3.6 مليون برميل منها، لتصبح خامس أكبر مصدر للنفط الخام في العالم. ومع ذلك، على الرغم من الإيرادات النفطية المرتفعة - أكثر من 110 مليارات دولار في عام 2024م - لا تزال صناعة التكرير العراقية في مستوى بدائي، وتعتمد البلاد بشكل كبير على تصدير النفط الخام، وتفتقر إلى القدرة على إنتاج منتجات نفطية ذات قيمة مضافة.
هذه الفجوة الكبيرة بين الإمكانات والأداء الفعلي أدت إلى ضياع فرص كان من الممكن أن تساهم في التنويع الاقتصادي، وخلق فرص عمل واسعة النطاق (خاصة للشباب)، وتقليل الاعتماد على النفط الخام، وتعزيز الاستقلال السياسي. الأسباب المتعددة الأوجه لأزمة التنمية هذه في صناعة التكرير هي كما يلي:
1. العقوبات التاريخية وعواقب الحروب:
في التسعينيات، قَيّدت العقوبات الدولية بموجب برنامج "النفط مقابل الغذاء" بشدة وصول العراق إلى المعدات والتقنيات المتقدمة وقطع الغيار. أدى هذا الوضع إلى تدهور واسع النطاق في البنية التحتية للمصافي وانخفاض كفاءتها. بعد غزو التحالف بقيادة الولايات المتحدة في عام 2003م، لم تتضرر البنية التحتية النفطية العراقية من الحرب فحسب، بل تعرضت أيضاً لنهب وتدمير واسع النطاق. واجهت إعادة بناء هذه المنشآت في الظروف الحرجة للسنوات اللاحقة تحديات عميقة، ولم تتمكن حتى اليوم من الوصول إلى مستوى مرضٍ من القدرة والكفاءة.
2. عدم الاستقرار السياسي والأمني وظل الإرهاب:
بعد سقوط نظام صدام حسين، أدت القرارات الخاطئة لإدارة الاحتلال الأمريكي - بما في ذلك الحل المفاجئ للجيش العراقي - إلى انهيار النظام الأمني وظهور فراغ في السلطة. مهد هذا الفراغ الطريق للنشاط الواسع النطاق للجماعات شبه العسكرية والقاعدة ولاحقاً داعش. أدت الاضطرابات المسلحة والهجمات الإرهابية وانعدام الأمن المستمر إلى جعل الاستثمار المحلي والأجنبي في القطاعات الحيوية مثل المصافي محفوفاً بمخاطر عالية. امتنعت العديد من الشركات الدولية عن دخول هذا القطاع بسبب مخاوف تتعلق بسلامة موظفيها واستثماراتها. في بعض الحالات، اضطرت الشركات العاملة في العراق إلى طلب المساعدة من الجماعات المسلحة المحلية لتوفير الأمن؛ وهو إجراء أدى إلى تفاقم انعدام الأمن وعدم الاستقرار.
3. فقدان الاستثمار المحلي والأجنبي المطلوب:
من أهم العوائق الأخرى التي تواجه تطوير صناعة التكرير العراقية هو نقص الاستثمار وضعف البنية التحتية. يتطلب بناء مصافي حديثة مليارات الدولارات من رأس المال، لكن ارتفاع حصة النفقات الجارية للحكومة من عائدات النفط أدى إلى بقاء العديد من المشاريع غير مكتملة. كما أنّ الشركات الأجنبية لديها اهتمام ضئيل بالاستثمار في العراق بسبب المخاطر السياسية والأمنية العالية الناجمة عن الاحتلال الأمريكي، وعدم الاستقرار السياسي، والقوانين غير الفعالة، والبنية التحتية الضعيفة. وبالتالي، لم يتم توفير الاستثمار اللازم لتطوير المصافي في العراق.
4. الفساد والبيروقراطية المعقدة:
من ناحية أخرى، يعد الفساد المالي الهيكلي والبيروقراطية المعقدة من العوامل الرئيسية التي تعيق صناعة النفط والتكرير العراقية. وفقاً لتقرير منظمة الشفافية الدولية، يحتل العراق المرتبة 140 بين الدول الأكثر فساداً في مؤشر مدركات الفساد. وقد أدى ذلك إلى إهدار عشرات المليارات من الدولارات من الموارد المالية. ووفقاً للتقارير، تم إنفاق حوالي 80 مليار دولار في قطاع الطاقة بين عامي 2003 و2020م، لكن الفساد وسوء الاستخدام أعاقا التنفيذ الفعال للمشاريع.
الموارد المذكورة أعلاه ليست سوى جزء من أسباب عدم تطور صناعة التكرير العراقية، لكن تطوير هذه الصناعة ليس مجرد خيار اقتصادي للعراق، بل هو ضرورة استراتيجية للبقاء والتقدم في القرن الحادي والعشرين. بدون استثمار ذكي، وإصلاحات هيكلية، وإرساء الاستقرار السياسي والأمني، ستظل البلاد عالقة في دائرة الاعتماد على النفط الخام والإيرادات المتقلبة - بينما تمتلك في جوهرها القدرة على أن تصبح مركزاً إقليمياً للطاقة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام