مجلس بغداد للحوار.. العبادي يدعو إلى إصلاحات اقتصادية وتجفيف منابع الفساد   الإقتصاد نيوز   وزير النقل العراقي يوضح بعد جدل توقيع اتفاقية طريق التنمية في تركيا   الإقتصاد نيوز   تراجع مخزونات النفط الخام الأميركية 7.2 مليون برميل في أسبوع   الإقتصاد نيوز   وزير الكهرباء: جهود الوزارة تحظى بدعم رئيس الوزراء لتعزيز جاهزية المنظومة الكهربائية   الإقتصاد نيوز   إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تسجل تراجعاً بمخزونات الخام وارتفاعاً بالبنزين   الإقتصاد نيوز   سنتكوم: إيران لا تسيطر على هرمز وطائرات F16 تجوب الشرق الأوسط   الإقتصاد نيوز   التربية تبحث مع التعليم العالي إعادة القبول الهندسي وتوسيع فرص خريجي التعليم المهني في الجامعات   الإقتصاد نيوز   حرائق الغابات تتوسع في موغلا وتمتد إلى ولاية أنطاليا التركية   الإقتصاد نيوز   الخزانة الأمريكية تفرض عقوبات جديدة على كيانات مرتبطة بإيران   الإقتصاد نيوز   علماء: 1500 سفينة متوقفة في هرمز تحمل خطراً بيئياً يهدد بحار العالم   الإقتصاد نيوز  
علاقة الدولة بالاقتصاد وإشكالية التحول من النمطية الى التنظيم

في قلب كل دولة هنالك ثمة اقتصاد نابض، ينظم إيقاع حياتها، والعراق ليس استثناءً من هذه القاعدة. فالدولة الحديثة لم تعد مجرد كيان سياسي يحافظ على الأمن والنظام العام، بل تحولت إلى فاعل رئيس في تشكيل الاقتصاد وتحقيق توازنه واستقراره.

 للأسف تتخذ هذه العلاقة أبعاداً أكثر تعقيداً، حيث يصبح الاقتصاد أحياناً ساحة للصراع السياسي، وأحياناً أخرى أداةً للهيمنة والتحكم. فمنذ تأسيس الدولة العراقية، ظل الاقتصاد رهينة للتقلبات السياسية، بدءاً من مرحلة التصنيع في منتصف القرن العشرين، ومروراً بالحصار الاقتصادي في تسعينياته، ووصولاً إلى مرحلة ما بعد 2003 التي شهدت تحولاً جذرياً في بنية الاقتصاد والسياسة معاً. فالدولة التي يفترض أن تكون راعية للتوازن الاقتصادي وتخصيص الموارد، أصبحت سبباً في اضعاف السوق وتعميق الاختلالات. ان ما تشهده الساحة الاقتصادية من الهيمنة للسياسة المالية الحكومية، وتهميش القطاعات الإنتاجية لصالح اقتصاد ريعي تسهم عائدات النفط بنسبة 95%من الناتج المحلي الإجمالي امر يثير القلق على مستوى السياسة الاقتصادية الكلية وعلاقة الدولة بالاقتصاد وما ينبغي ان تكون عليه .

لذا لا يمكن قراءة تاريخ العراق المعاصر بمعزل عن تشابك الاقتصاد مع هياكل السلطة، فهما وجهان لعملة واحدة تم نحتها بيد القوة والضعف معاً. فالدولة التي يفترض أن تكون إطاراً لتنظيم الحياة الاقتصادية، أصبحت في الحالة العراقية مزاحمة لها ومقيدة لنشاطها، اذ تتحكم بمفاصلها وتوجه مسارها خارج حدود الايراد والكلفة وفي اغلب الأحيان خارج شروط الاقتصاد.

ولعل هذه العلاقة"المرضية" ليست قدراً نهائياً، بل هي محطة في رحلة طويلة من البحث عن هوية اقتصادية تتحرر من سطوة السياسة دون أن تنفصل عنها ففي دول أخرى، غير بعيدة عنا نجحت الدولة في أن تكون أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية عبر سياسات ضريبية عادلة، واستثمارات ذكية في البنية التحتية، وتمكين القطاع الخاص دون التخلي عن دورها الرقابي. الا اننا في العراق، نشهد غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة حول الدولة من حاضنة للتنمية إلى عامل معيق لها، حيث تتضخم البيروقراطية وتتفشى المحسوبية، بينما تتراجع الخدمات الأساسية وتنكمش فرص العمل.

وفي ظل سيادة النمطية الريعية للتشغيل في القطاع الحكومي أفرز هذا النموذج الاقتصادي ثقافة استهلاكية تستحق الدراسة، حيث تحول المواطن من منتج إلى متلقٍ للريع النفطي عبر الوظيفة العامة أو الدعم الحكومي. وأدى ذلك إلى تشوه عميق في العلاقة بين الفرد والدولة، فلم تعد الأخيرة تمثل سلطة تنظيمية بقدر ما أصبحت "معيلاً" ينتظر منه توزيع الأرزاق. وهكذا سرق المجتمع من طاقته الإنتاجية، بينما سرق الاقتصاد من حيويته التنافسية.

لا مناص من رؤية تتأطر حول تغيير دور الدولة من "تاجر" يوزع الريع النفطي إلى "مهندس" يبني اقتصاداً متنوعاً، فلو عملنا على تنمية برامج اقتصادية اجتماعية ناهضة تهدف الى تغيير نمطية الفردمن متلق للمساعدات المالية إلى فاعل في عمليات الإنتاج والتصدير، لأمكن كسر هذه الحلقة المفرغة. اذ تثبت لنا التجارب العالمية أن الدول التي تنجح في الجمع بين السوق العادلة والضمان الاجتماعي هي الأكثر استقراراً وازدهاراً.

ومع استمرار اختلال هيكله فان الاقتصاد العراقي اليوم على مفترق طرق: إما أن تستمر الدولة في دورها التقليدي كمسيطر على الثروة وموزع لها بشكل غير عادل، وهو ما يهدد باستمرار الازمات، أو أن تتحول إلى منظم للاقتصاد وحامٍ لمصالح الأغلبية عبر تنظيم وتهيئة الشروط الأساسية لنمو السوق والإنتاج والتنويع، وهو الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار والرخاء.

يبقى السؤال قائما: هل ان الإرادة السياسية قادرة على خوض هذه المعركة المصيرية؟ أتوقع ان التاريخ وحده سيجيب .


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 10845
أضيف 2025/05/23 - 10:37 AM