كرة القدم السعودية: لعبة جيوسياسية وأبعادٌ دينية وليس رياضة فقط.

الاقتصاد نيوز - بغداد

بقلم: الدكتور مهند طالب الحمدي
أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة ولاية كنساس، الولايات المتحدة الأمريكية.


يدور الابتهاج بشراء لاعبي كرة القدم العالميين من قبل أندية رياضية في المملكة العربية السعودية حول أكثر من مجرد البعد الرياضي وتنويع اقتصاد المملكة. إنه يتعلق أيضًا بالجيوبولتيك وأبعادٍ دينية تحظى بها المملكة العربية السعودية، على الأقل بالنسبة لبعض كبار اللاعبين في العالم الذين ينتقلون إلى أندية سعودية. 
تشمل الانتقالات الأخيرة لاعبين على مستوى رفيع مثل لاعب ريال مدريد كريم بنزيمة، ونغولو كانتي وكاليدو كوليبالي لاعبا تشيلسي، وسيكو فوفانا لاعب ليون، وموسى ديمبيلي ورياض محرز لاعبا مانشستر سيتي. ومن المؤكد أن رسوم الانتقال والرواتب المغرية هي محرك رئيسي.
ولكن بالنسبة للاعبين المسلمين، يلعب التقارب الديني مع المملكة العربية السعودية، بلاد أقدس مدينتين في الإسلام، مكة والمدينة، دوراً أساسياً في قراراتهم كذلك. كذلك الهجمات الثقافية الأوروبية التي تغذي المشاعر المعادية للمهاجرين والمسلمين والسود، هي دافع قوي في تحرك اللاعبين المسلمين وغير المسلمين من الملونين بعيداً عن الملاعب الأوروبية. بالإضافة إلى ذلك، تمتلك الأندية الأوروبية سجلاً مختلطًا في تلبية الاحتياجات الدينية للاعبين المسلمين، مثل الصيام خلال شهر رمضان وأوقات الصلاة اليومية.
قد يرقى نزوح اللاعبين المسلمين وغير المسلمين المتدينين إلى نوعٍ من رد فعل عنيف ضد سعي بعض الدول الغربية لنشر ثقافة مجتمع الميم من خلال رياضة كرة القدم، والذي يرفضها البعض بشكلٍ خاص باعتبارها تتعارض مع عقائدهم ومبادئهم. قال السيد كريم بنزيمة إنه قرر الانتقال إلى نادي الاتحاد السعودي "لأنني مسلم وهي دولة مسلمة. لطالما أردت العيش هناك ... الأهم من ذلك، إنها دولة مسلمة، إنها بلد محبوب وجميل."
على موقع شبكة تلفزيون العربية المملوكة للمملكة العربية السعودية، أكد المحلل الرياضي البحريني السيد عمر العبيدلي أن "أي شخص مسلم يمارس شعائر دينه أو شخص غير أبيض يعيش في أوروبا سوف يفهم على الفور أن الأمر على الأرجح لا يتعلق بالمال فقط." وأضاف السيد عمر: "لكي نكون واضحين، فإن ملايين الدولارات المعروضة لانتقال اللاعبين هي بالتأكيد عامل رئيسي. ومع ذلك، فإن مزيجًا من الغطرسة والجهل يجعل الغربيين البيض العلمانيين الذين يهيمنون على كرة القدم الأوروبية، بما في ذلك وسائل الاعلام الرياضية، يقللون من شأن جاذبية المملكة العربية السعودية للاعبين البارزين في مجال الرياضة الأشهر في العالم." 
لكن السيد عمر يٌقر بالقول، "هذا لا يعني أن المملكة العربية السعودية خالية من العنصرية. ومع ذلك، فإن نظرة سريعة على أعضاء المنتخب الوطني السعودي ورحلة سريعة عبر المسجد الحرام في مكة، يشيران بوضوح إلى أن من غير المرجح أن يتعرض السود لنوع الكراهية اللاذعة التي أصبحت شائعة بشكلٍ متزايد في أوروبا ".
ربما يكون السيد عمر العبيدلي محقاً في وجهة نظره، على الرغم من تساءل النقاد عن سبب عدم بحث اللاعبين الكبار عن أماكن أكثر تناغمًا وأكثر ملاءمة ثقافيًا لهم قبل هذا الوقت، حتى لو كانت فرص اللعب هناك أقل جاذبية في الماضي. ومن المحتمل أن تكون الإجابة على ذلك ذات أبعادٍ عدة. 
أصبحت المملكة العربية السعودية مكاناً مختلفاً منذ أن أدخل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إصلاحات اجتماعية بعيدة المدى عززت بشكلٍ كبير الفرص المهنية والاجتماعية للمرأة، وبدأت بتقليص الضوابط القاسية للفصل بين الجنسين، وأدخلت أنشطة ترفيه على النمط الغربي إلى البلاد في ثورة اجتماعية غير مسبوقة في تاريخها. علاوة على ذلك، فإن طموحات الأمير محمد بن سلمان الرياضية، وهي جزء من خطط التنويع الاقتصادي المصممة لتقليل اعتماد المملكة على صادرات النفط، تجعل المملكة العربية السعودية مكانًا مثيرًا للعب كرة القدم.
لو نجحت خطط ولي العهد في تحويل دوري المحترفين السعودي إلى أحد أكبر خمس بطولات دوري في العالم، فإن كرة القدم ستعزز مكانة المملكة العربية السعودية كقوة رئيسية في نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب تتمتع فيه القوى المتوسطة باستقلالية استراتيجية أكبر.
مع وجود لاعبين مسلمين يملؤون صفوف أندية سعودية ناجحة، فإن ذلك سيعزز أيضًا موقع المملكة في المنافسة على القوة الناعمة الدينية في العالم الإسلامي. ومن شأن ذلك كذلك أن يعزز محاولة المملكة العربية السعودية لتحديد ما يمثله الإسلام في القرن الحادي والعشرين.
اجتاحت رياضة كرة القدم منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ أن أدخلتها بريطانيا وفرنسا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. لعبت الرياضة الأكثر شعبية في المنطقة منذ ذلك الحين دورًا رئيسيًا في النضالات المناهضة للاستعمار والاحتجاجات المناهضة للحكومات بعد فترة الاستعمار. لعب مشجعو كرة القدم المتشددون دورًا حيويًا في الانتفاضات التي أطاحت بقادة تونس ومصر وليبيا واليمن، وحاولت المملكة العربية السعودية في البداية إلى إبعاد نشاطات كرة القدم في البلاد عن تأثيرات الربيع العربي الذي بدأ عام 2011.
كانت التعليمات التي صدرت للمستشارين الإسبان، الذين تم استقطابهم للعمل في المملكة العربية السعودية قبل تسنم الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، هي تطوير أول استراتيجية رياضية وطنية في المملكة العربية السعودية، مع التركيز على الرياضات الفردية بدلاً من الرياضات الجماعية. ربما كان أحد أهداف تقليل التركيز على الرياضات الجماعية هو الحد من احتمالية تحول كرة القدم لمجال لبث أفكار لا تتقبلها الحكومة. 
طالبت صفحة لبعض أنصار نادي النصر السعودي على فيسبوك بعنوان الثورة النصراوية في عام 2013 باستقالة رئيس نادي النصر الأمير فيصل بن تركي، ابن أخ الملك سلمان بن عبد العزيز. تم نشر مقطع فيديو على موقع يوتيوب يبين ركض الأمير فيصل بن تركي خارج ملعب كرة القدم بعد أن دفع بوقاحة مسؤولاً أمنياً جانباً.
جاءت الحملة ضد الأمير فيصل بن تركي في أعقاب الاستقالة غير المسبوقة في عام 2012 من قبل الأمير نواف بن فيصل، وهو حفيد الملك الراحل فهد بن عبد العزيز، كرئيس للاتحاد السعودي لكرة القدم، وهو أول فرد من العائلة المالكة تجبره ضغوط الجماهير الرياضية على القيام بذلك. أدت استقالة الأمير نواف بن فيصل إلى انتخاب اللاعب السابق أحمد بن عيد الحربي رئيساً للاتحاد السعودي لكرة القدم، وهو من عامة الشعب، في بلدٍ لا توجد فيه انتخابات. يُنظر إلى السيد أحمد الحربي على نطاق واسع على أنه إصلاحي وداعم لكرة القدم النسائية.
يبدو أن إصلاحات الأمير محمد بن سلمان الاجتماعية قد عززت الثقة ورفعت من مستوى الطموح الجامح في البلاد لتحسين فرصها في النجاح الرياضي مقارنة بالمحاولات التي قامت بها بعض الأندية السعودية في سبعينيات القرن الماضي لاستقطاب بعض أفضل لاعبي العالم من البرازيل.
تلقى روبرتو ريفيلينو في ذلك الوقت، مثل كريستيانو رونالدو، أول نجوم كرة القدم الذين انتقلوا إلى المملكة العربية السعودية هذا العام، ترحيبًا كبيرًا عندما وصل إلى المملكة على متن طائرة كونكورد ليلعب مع نادي الهلال قبل 45 عامًا. كان في استقبال السيد ريفيلينو في المطار آلاف المشجعين وهم يلوحون بالأعلام. تم نقله في سيارة رولز رويس إلى أحد أفخم الإقامات الملكية وتم تكريمه بمأدبة فخمة ضمت أنواعاً كثيرة من المأكولات الشهية حضرها أفرادٌ من العائلة الحاكمة السعودية. كان حكام المملكة العربية السعودية آنذاك، مثل الآن، يأملون في أن تعزز كرة القدم الهوية الوطنية للسعوديين.
كان التنافس الجيوسياسي كامنًا في خلفية الصراع في المنطقة في ذلك الوقت أيضًا. على الرغم من أن الشاه كان لا يزال يحكم إيران، إلا أن حكام المملكة العربية السعودية لم يستسيغوا أن تكون إيران، منافسة المملكة في المنطقة، هي الدولة الوحيدة التي تتأهل لكأس العالم 1978 ممثلة لقارة آسيا. لقد قطع السعوديون شوطاً طويلاً منذ ذلك الحين، حيث تأهلوا لعدة نهائيات لكأس العالم، وهزموا الأرجنتين في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي في دورة كأس العالم الأخيرة التي نظمتها دولة قطر. 
على عكس عام 1978، لا تسعى المملكة العربية السعودية اليوم إلى تحقيق طموحات كرة القدم بمعزل عن غيرها من الأمور الملحة. تعتبر فورة استقدام اللاعبين اللامعين جزءاً من برنامج إصلاحٍ شاملٍ للبلاد. يُعزز ذلك فرص المملكة في تحقيق النجاح في كرة القدم، لكنه يجعلها تعتمد على قدرة الأمير محمد بن سلمان على تنفيذ إصلاحاته الاقتصادية الأوسع نطاقًا بنجاح. لازال هناك مسار بعيد ووقت طويل كي نرى ما يتحقق على أرض الواقع.

تحميل
مشاهدات 795
أضيف 2023/08/06 - 9:41 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 23971 الشهر 65535 الكلي 8483989
الوقت الآن
الثلاثاء 2024/5/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير