وكالة الإقتصاد نيوز

التضخم.. بين متطلبات الصياغة الفنية وواقع سياسات الانفاق والاستثمار


تتأطر الصياغة الفنية للسياسة الاقتصادية الكلية في تبنيها لهدفين استراتيجيين متمثلين بالنمو والاستقرار، الاول يتم بلوغه من جذب الاستثمار. فيما يتحقق الثاني من مكافحة التشوهات السعرية المؤثرة في المستوى العام للاسعار عبر استهداف التضخم.

اذ يركز هدف النمو الحفاظ على الزيادة المادية لراس المال الاستخدام الأمثل للموارد المادية والمالية من خلال تكوين قاعدة رصينة لجذب رؤوس الاموال المعظِم للإنتاج من السلع والخدمات. فيما يتحقق الشرط الثاني المتمثل بالرفاهية الاقتصادية لضمان وصول هذه السلع والخدمات الى المستهلكين بعيدا عن تأثيرات التضخم عليها ومن ثم يتضح دور السياسة الكلية في الحفاظ على مستويات الدخل الحقيقي .

لذا تتمثل الصياغة الفنية للسياسة الاقتصادية الكلية بالحفاظ على استقرار معدلات نمو الدخل الحقيقي شرطا ضروريا لأداء الاقتصاد الكلي بشكل يعزز من ارتفاع القيمة الحقيقية للكميات من الدخل النقدي التي تمثل صافي المشتريات من السلع والخدمات، ومنه تتضح اهمية الحفاظ على استقرار معدلات التضخم.

ولأجل بلوغ استهداف التضخم  لابد من تحليل نشأته وتكوينه الاقتصادي ، اذ تؤكد الطبيعة المزدوجة لمنشئه كونه ناتج عن مسارين الاول نقدي ناشئ من الارتفاع المتزايد في المعروض النقدي نتيجة سياسات الانفاق العام والثاني حقيقي ناشئ عن الاختلال الهيكلي في القطاع السلعي للاقتصاد العراقي المتمثل بالانخفاض الحاد في مرونة القاعدة الانتاجية  المحلية المعوضة للاستيرادات .

لذا فان ظاهرة التضخم في العراق تمثلت في تراكم الاخطاء الحكومية فيما يتعلق بتخطيط  السياسات الاقتصادية المعزِزة  للتضخم وفشلها في تحقيق احد اهم اهدافها في الحفاظ على الاستقرار في معدلات المستوى العام للأسعار نتيجة لانخفاض قدرة التيار الحقيقي على تلبية الطلب الداخلي على السلع والخدمات، ومن ثم الارتفاع المتزايد في التيار النقدي الناتج عن تزايد الانفاق العام تلبية للطلب الداخلي على الاستيرادات لانعدام مرونة الانتاج المحلي ، وسياسات الدين الداخلي والخارجي غير المستدام التي تزيد من فجوة الموارد وفجوة الاستثمار .

 لذلك لا يمكن لأي سياسة اقتصادية ان تتجاهل التأثيرات السلبية للتضخم على دورة الدخل وعلى سلوكيات الوحدات الاقتصادية  ولأهمية هذا التأثير تتجه البنوك الى اتباع سياسة لمراقبة واستهداف التضخم كي لا يكون للتقلبات تأثير سلبي على فاعلية السياسة لبلوغ هدفها تحقيق الاستقرار في النمو والاستقرار في الأسعار، لذلك لابد من توجيه السياسة النقدية للسيطرة على تقلبات الأسعار وتقلبات الناتج، وفي اقتصاد العراق الريعي وما يعانيه من انفصال بين القطاع الحقيقي والنقدي المتمثل بالانخفاض الحاد في قدرة اسعار الفائدة بل، عجزها عن تحريك السوق المالي وتحقيق التوازن النقدي ومنه ضعفها اداة ً مخفضة لمعدلات التضخم، يبقى سعر الصرف هو الاداة الفاعلة في تثبيت التضخم شرط وجود الرصيد الكافي من الاحتياطيات الاجنبية من الدولار بشكل يعزز من استخدام النافذة في تنظيم مسار العرض والطلب على الدولار بما يؤمن استقرار معدلات التضخم ضمن المستوى المستهدف.

ومن دراسة بيانات التاريخ الاقتصادي للظاهرة يمكن تشخيص عدد من الملاحظات حول عمل السياسة الاقتصادية منذ تسعينيات القرن المنصرم وحتى هذا اليوم تتلخص بالاتي:

فترة التسعينيات وما قبل 2003 قد شهدت ارتفاع مستويات التيار النقدي من دون ان يصاحبه تيار سلعي يغطي الفائض من الطلب على السلع والخدمات مما ركز في جموح التضخم .

فترة ما بعد 2003 حتى عام 2008 فقد شهدت ارتفاعا مستمرا في معدلات التضخم نتيجة ارتفاع مستويات الافراط النقدي لتامين الاستيراد بديلا عن الانتاج المحلي، والنتيجة هي استمرار التضخم .

الاعوام بدءاً من 2008 وحتى عام 2019 شهدت سياسة نقدية مستهدفة لخفض واستقرار التضخم وبالفعل فقد اتجهت قراءات التضخم الى حدود المرتبة العشرية.

الفترة 2020-2021  والتي شهدت موجة الركود العالمي بفعل الجائحة حيث مر الاقتصاد الوطني بالركود متأثرا بانخفاض ايرادات القطاع النفطي نتيجة الانخفاض الحاد في اسعار النفط العالمية مما جعل البنك المركزي يتخذ قرارا بخفض سعر صرف الدينار العراقي لمواجهة المطلوبات التشغيلية وتأمين رواتب الموظفين والعاملين في القطاع المختلط ورواتب الاعانات الاجتماعية، ادى ذلك الى انخفاض القيمة الحقيقية للنقود الى 38%  وبلوغ التضخم حدود 6.6% .

العام 2022 شهد ارتفاعا في معدل التضخم بلغ 6.8 % بشكل يزيد من انخفاض القيمة الحقيقية للنقود اكثر من العام السابق، في ظل تقلبات سعر الصرف في نهاية 2022 ومطلع 2023وبالرغم من اجراءات البنك المركزي للحفاظ على قيمة الدينار عبر حزم الاصلاح في نظام التحويل المالي للوصول الى استقرار سعر الصرف المستهدف، يلاحظ  ارتفاع مستويات الرقم القياسي للمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والمعمرة .

من ملاحظة تذبذب قدرة السياسة الاقتصادية نحو استدامة استهداف التضخم  فان ذلك يعود الى عدة مسببات :

تشوه حركة المال والاقتصاد عبر انخفاض اداء القطاع النقدي بسبب الانخفاض الحاد في اداء سعر الفائدة اداة للتوازن الكلي للايسواق المالية في العراق.

الانفصال بين القطاعين الحقيقي والنقدي بسبب انعدام قدرة العمليات النقدية على تحقيق التوازن الكلي الا من خلال المركب الريعي.

جمود قطاع الاستثمار وانعدام قدرة الاقتصاد على جذب راس المال.

ارتفاع مستويات التيار النقدي وتبعيته للانفاق العام .

لذا يستنتج أهمية الصياغة الفنية المستهدفة للنمو والاستقرار في ثلاثة محاور للسياسة الكلية :

 الأول: بناء وتهيئة الارضية اللازمة لتنمية قطاع الاستثمار الخاص والعام لرفع مرونة القاعدة الانتاجية.

الثاني: تحقيق هدف الحفاظ على مستويات الدخل الحقيقي بتوجيه السياسة لاجراءاتها وعملياتها النقدية والمالية للحد من تأثيرات التضخم.لبلوغ الاستقرار الكلي الجاذب للنمو.

الثالث: اتخاذ سياسة لترشيد الانفاق من خلل تعزيز الانفاق الاستثماري وتوجيه الانفاق العام نحو الانفاق الانتاجي،عبرالتنسيق بين السياستين النقدية والمالية .


مشاهدات 681
أضيف 2023/02/26 - 10:11 PM
تحديث 2023/06/02 - 8:09 AM

طباعة
www.Economy-News.Net