النفط الفنزويلي.. هل يعود للأسواق؟

سأسلط الضوء على قطاع النفط والغاز الفنزويلي وما يعانيه وما هو سبب تخلفه بل وانهياره في بلد كان يعتبر من أغنى بلدان أميركا اللاتينية وكيف انحدر إلى القاع اقتصادياً، وهل أن الغرب متلهف للعودة للاستثمار في فنزويلا؟ وهل فعلاً أن شركات النفط والغاز الغربيه ستتسابق لتطوير إنتاج فنزويلا النفطي؟ هذا ما سنستعرضه معاً هنا.

شركة شيفرون الأميركية العملاقة التي يتركز عملها في الحفر والخدمات النفطية، كان لها عقد خدمة مع شركة النفط الفنزولية المملوكة للدولة، وفي عام 2019 وفي ظل الانقسام السياسي والمجتمعي العنيف في فنزويلا بين حكومة ثورية يسارية يقودها مادورو ونخب يمينيه يتزعمها رئيس البرلمان آنذاك مع مظاهرات وإدعاءات بتزوير الانتخابات، فرضت إدارة ترامب عقوبات تمنع الشركات الأميركية والغربية من الاستثمار في فنزويلا أو شراء أي نفط فنزويلي حتى تستجيب هذه الحكومة اليسارية وتجري انتخابات عادلة ونزيهة وبذلك انسحبت شركة شيفرون من فنزويلا آنذاك تطبيقا لهذا القرار، حيث كانت الشركة الأميركية الوحيدة المستثمرة في فنزويلا حينها، قبل ثلاثة أسابيع أعطت إدارة بايدن الضوء الأخضر لشيفرون لتعاود التفاوض حول عقد خدماتها المحدود ولا نعرف أين سيؤدي هذا التفاوض؟ هل هو بادرة حسن نيه لتطبيع العلاقات مع حكومة مادورو أم هو محاولة لتشجيع حكومة فنزويلا لإجراء الإصلاحات، ومنذ ثلاثة أسابيع لم تخرج أي أخبار حول موضوع مفاوضات شيفرون للعودة لعقدها، هل أعطت إدارة بايدن الضوء الأخضر لشركات النفط الأميركية أو الغربية للاستثمار في فنزويلا؟ الجواب لا إطلاقا لا يوجد أي سماح بأي استثمارات أو عقود مشاركة في فنزويلا طالما بقيت الحكومة الفنزولية الحالية تقمع المعارضة.

بنفس الوقت وفي ظل الحرب الأوكرانية والعقوبات الأميركية والغربية على روسيا والدعوات لحظر أو تقليل شراء النفط والغاز الروسيين سمحت إدارة بايدن قبل ثلاثة أسابيع لشركتي أيني الإيطالية ورابسول الإسبانية بشراء كمية محدودة من النفط الفنزويلي لا تزيد عن 400 أبي يومياً ولكن بدون السماح لأي منهما بالاستثمار أو حفر أي بئر في فنزويلا.

تمتلك فنزويلا 80 مليار برميل من النفط الخام التقليدي كخزين أغلبها في حقول بحرية أو قريبة على الساحل، فيما تمتلك قرابة 300 مليار برميل من النفط الرملي الثقيل غير التقليدي استخراجها بالتكسير الهيدوليكي الحراري يحتاج تكنلوجيا متطورة كما أن استخلاصها أيضاً يتطلب طاقة ومنشآت حديثة، أغلب هذه الاحتياطات النفطية موجودة في منطقة حزام أورينوكو شمال البلاد، طبعا لا يمكن التأكد من دقة أرقام احتياطي النفط الرملي الفنزويلي الذي ذكره الرئيس السابق هوغو شافيز قبل وفاته عام 2013 بما أن أغلب الشركات الغربية كانت خارج البلاد في حين تفتقر شركة النفط الفنزولية لإمكانيات الاستكشاف الحديثة والمتطورة، وأن صحت هذه الأرقام فهذا سيجعل فنزويلا صاحبة أكبر احتياطي نفطي على مستوى العالم متجاوزة المملكة العربية السعودية التي تمتلك 260 مليار برميل كاحتياطي.

الستينات كانت العهد الذهبي لفنزويلا ولقطاعها النفطي، فقد كانت علاقتها مع الولايات المتحده جيدة فيما تدفقت الاستثمارات الغربية حيث وصل إنتاج النفط الفنزويلي في نهاية الستينات لـ3.5 مليون برميل يومياً مما جعلها أكثر دول أوبك إنتاجاً مما أدى لجعل عاصمتها كاراكاس أكثر مدن أميركا اللاتينية تقدماً ورقياً مع ازدهار الطبقة الوسطى في البلاد، ولكن في السبعينات قام الرئيس كارلوس بيريز بتأميم شركة النفط الفنزولية ومنذ ذلك التاريخ بدأ هذا الانتاج بالانخفاض بالتدريج نتيجة سوء الإدارة وعدم الاستقرار السياسي والبيئة الطاردة للاستثمار لينخفض دون 3 ملايين برميل يومياً نهاية التسعينات حينما استطاع جنرال عسكري يتمتع بكاريزما ومقدرة خطابية الوصول للسلطة هو شافيز، ومع وصول اليساري الاشتراكي هوغو شافيز للسلطة وتلاعبه بمشاعر البسطاء مع رفعه لشعارات مثالية عن المساواة وتوحيد الرواتب مما جعله في مواجهة عمال وفنيي شركة النفط الفنزولية الذي قاموا بإضراب عام 2003 ليقوم بفصل 18 ألفاً بين عامل وفني ومهندس محترف ليفرغ صناعة النفط من خبراتها ويقوم بعملية تعيينات سياسية حسب الولاء بدون أي كفاءة، كما وتم تأميم أغلب الصناعات والمصارف والمصالح الاقتصادية مطلع الألفية مع وضع نموذج (موديل) اقتصادي فاشل وغير مستدام يقوم على توزيع جميع عائدات النفط على الفقراء وتقديم خدمات مجانية ونقل وغذاء مجاني مما جعله ذو شعبية كبيرة في أوساط الفقراء ويقوي سلطته ويضمن إعادة انتخابه، ولكن ذلك جعل الدولة مفلسة معرضة للهزات الاقتصادية وغير قادرة أو متلكئة في جذب الاستثمارات، وهذا أدى لأن ينخفض إنتاج النفط لمعدل 2 – 2.5 مليون برميل يومياً عام 2010، ويستمر هذا الانخفاض ليصل معدل الإنتاج لـ1.5 مليون برميل يومياً بحلول عام 2014 بسبب سوء الإداره والتلكؤ في جذب الاستثمارات تزامناً مع انخفاض أسعار النفط ومعها انهار قطاع التصفية لتبدأ البلاد بشراء الوقود فيما بدأ العجز في منظومة الكهرباء يؤدي لانقطاعها بسبب ضعف استثمار الغاز الطبيعي الذي تحتل فيه فنزويلا المركز التاسع على العالم بحجم الاحتياطي، ولحد تلك اللحظة لم تكن هناك أي عقوبات مفروضة على فنزويلا.

الوضع الحالي لفنزويلا كارثي تماماً فهذا البلد اليوم يعيش واحدة من أسوأ حالات التضخم في التاريخ مع انهيار عملته المحلية البوليفار وتلاشي القطاع المصرفي وارتفاع معدلات الفقر لتشمل غالبية سكان البلد حيث انخفض معدل دخل الفرد بنسبة 80% منذ عام 2014  مع فوضى مجتمعية وعنف مسلح وجريمة، حيث تصنف العاصمة كاراكاس كأخطر مدينة في العالم، أما قطاع المصافي فغير موجود تقريبا مما جعل البلد يستورد أغلب احتياجاته من الوقود، وبما أن القطاع المالي منهار وغير قادر على الدفع مما جعل فنزويلا تقايض جزءاً من إنتاجها الضئيل من النفط (500 – 700) ألف برميل يومياً بالبنزين الإيراني، ومع ضعف الإمكانيات المالية انهار قطاعا النقل والكهرباء فيما فر 15 – 20% من سكان البلاد للخارج بسبب هذه الظروف التي لا تحتمل، يترافق هذا مع قمع المعارضة السياسية و التحكم بوسائل الإعلام.

منذ 2019 الولايات المتحدة لا تعترف بشرعية الرئيس الحالي نيكولاس مادورو حيث تعترف برئيس البرلمان السابق خوان غواديو زعيم المعارضة كرئيس شرعي منتخب وبناء على ذلك تقاطع هذا النظام وتمتنع عن أي استثمار أو شراء للنفط الفنزويلي منذ اكثر من ثلاث سنوات، وفيما أرتفعت أسعار النفط مؤخراً مع حرب أوكرانيا مما جعل الغرب يبحث عن بديل لسد النقص، لكن تصريحات الرئيس مادورو المؤيدة تماما للغزو الروسي ولسياسة بوتين جعلت الغرب يتردد فعدم التعامل مع دكتاتور نفطي لا يجب أن يؤدي لتخفيف القيود عن دكتاتور نفطي آخر.

هذه هي قصة فنزويلا، بلد لديه ثروات هائلة وقع ضحية اليسارية الاشتراكية المثالية وسوء الإداره والفساد والسلطوية، وهذه المتلازمة ليست غريبة على دول أميركا اللاتينية فقبلها الأرجنتين غرقت في الديون وانهار اقتصادها لأسباب مماثلة.

 


مشاهدات 530
أضيف 2022/06/08 - 9:35 AM
تحديث 2022/12/06 - 8:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 3333 الشهر 46053 الكلي 3134964
الوقت الآن
الثلاثاء 2022/12/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير