وكالة الإقتصاد نيوز

متى ينتهي عصر النفط؟


الأجابه على هذا السؤال مهمه لأنها ترتبط ببناء الستراتيجيات و الخطط المستقبليه و هيكلة الأقتصادات سواء المنتجه أو المستهلكه للنفط، لذا نجد هذا السؤال يتكرر و يطرح من حين لأخر و سط تضارب الأراء و الأجابات تبعا لأصحابها و تفكيرهم و معلوماتهم و مجال أختصاصهم، فاذا طرحت هذا السؤال على مختص في شؤون النفط فستجد أجابته أن عصر النفط و الغاز لن ينتهي و سيستمر للأبد و هذا لأنه على معرفه و أطلاع على صناعة أستخراج و تكرير النفط و الغاز فقط و غير مطلع على أي مجال أخر، فهو يعتمد على فكرة وجود استكشافات جديده دائما و لو بوتيره أقل و عادة تكون في مناطق نائيه أو بحريه أو في القطب الشمالي الذي يستمر ذوبان الجليد فيه..ألخ.

 كذلك يعتمد على فكرة تطور تكنلوجيا الأستخراج و التصفيه فالنفط الثقيل مثلا الذي لم يكن له قيمه قبل 40 سنه اصبح اليوم ممكن الأستخراج أضافة للنفط الصخري و الرمال القطرانيه و الغاز الحامضي التي أصبحت ممكنة الأستخراج و المعالجه و بالتالي مجديه أقتصاديا، كما أن أكتشاف تكنلوجيات جديده مثل التكسير الهيدروليكي الحراري ضاعف في السنوات ال12 الأخيره من أنتاج النفط و الغاز الأمريكي مثلا لتعود الولايات المتحده مجددا كأكبر منتج للنفط و الغاز على مستوى العالم محققه امن الطاقه، أضافة لتكنلوجيا حقن غاز ثاني أوكسيد الكاربون في المكامن لرفع الضغط المكمني و أنعاش المكمن التي لا يزال تطبيقها في بداياته.

 كما أن قطاع التصفيه شهد قفزات هائله باستحداث تكنلوجيا تفكيك او تكسير سلاسل الهيدروكاربونات الطويله لتزيد كفاءة التصفيه مما جعل المنتجات الخفيفه من بنزين و كيروسين طائرات و ديزل تصل لأكثر من 90% كنسبه في المصافي الحديثه، كما أن كفاءة أستهلاك الطاقه في تحسن مستمر نتيجة لتطور المحركات و أرتباطها بالحواسيب و أحتمالية أدخال القياده الأليه، لذا ففي كل مره عبر التاريخ يتوقع المتشائمين أن النفط لا يكفي لتلبية الطلب و أن عصره قارب الأنتهاء، نجد تطور تكنلوجيا جديده و أستكشافات نفطيه و تدفق لأستثمارات في مناطق غير متوقعه ترفع الأنتاج لتلبي الطلب ليستمر عصر النفط و بغزاره اكثر، فبوجود وقود رخيص يدعم أستمرار نمو الأقتصاد العالمي و يحسن مستوى المعيشه باستمرار لا يوجد مبرر لوقف أستخدامه أو تقليله، اما أن سألته عن موضوع الأحتباس الحراري و خطورته على الكوكب و مصير الحضاره البشريه؟ فسيجيب بأنه لا وجود للأحتباس الحراري و أن النظام المناخي معقد و ضخم و لا يمكن للنشاط البشري التأثير فيه، طبعا لست بحاجه لأن تكون عالم مناخ لتعرف أن أنماط المناخ تتغير فأي شخص عادي يدرك أزدياد درجات الحراره و توسع رقعة التصحر و قلة الأمطار و ذوبان الجليد.

و هذا يقودنا للنوع الثاني من الأراء و هم طائفة المناخ و الأحتباس الحراري و هي أشبه بمجموعه دينيه بيئيه يساريه متشدده لها طقوسها الهستيرية يدعمها الأعلام الليبرالي تؤمن بشده أن عصر الوقود الأحفوري و ضمنه النفط يجب ان ينتهي خلال عشر سنوات! و رغم أن مخاوفهم حقيقيه فالتأخر في معالجة الموضوع و الأستمرار بنفس معدل الأنبعاثات لغازات الدفيئه سيؤدي لتفاقم الأحتباس الحراري خلال العقود القادمه و يوصل الكوكب لنقطة اللاعوده عند درجة 2 مئويه فحينها سيطلق العنان لوحوش الطبيعه الثلاث لترفع من معدل الأحتباس الحراري بشكل سريع جدا و خارج السيطره و هذه الوحوش هي ذوبان جليد القطب الشمالي الذي سيحوله من سطح ابيض عاكس للحراره الى ماء ممتص للحراره، و ثاني الوحوش الذي سيستيقض من سباته هو ذوبان الجليد عن سيبيريا التي تحتجز تربتها و مستنقعاتها المتجمده كميات هائله من غاز الميثان الذي يفوق تأثيره أربع عشر مره تأثير غاز ثاني أوكسيد الكاربون.

، أما الوحش الثالث فهو زيادة حامضية البحار و المحيطات بسبب تسرب غازات الدفيئه لها مما يهدد الشعاب المرجانيه و البيئه البحريه و الطحالب التي تعتبر المصدر الأول لأمتصاص غاز ثاني أوكسيد الكاربون و الحفاظ على مناسيب الأوكسجين فتأثيرها أهم من تأثير غابات الأمازون و غابات الكونغو مجتمعتين، يعني أننا لن نكتفي بتحويل اليابسه لصحراء قاحله أنما سنحول قاع البحار لصحارى فارغه.

طبعا أن أستمر معدل الأنبعاثات الحالي 38.5 مليار طن غاز ثاني أوكسيد الكاربون سنويا مع ما يكافئ 11 مليار أخرى من غازات الميثان و أوكسيد النتروز و مركبات الفريون ليكون المجموع بحدود 50 مليار طن مكافئ ثاني أوكسيد الكاربون فأن العالم سيصل لعتبة الدرجتين مئويتين تلك بحلول عام 2040. بالمقابل جماعة البيئه و الأحتباس الحراري ليس لديهم أي فكره عن كيفية عمل الأقتصاد العالمي و ما يبقيه مستمرا و لا أهمية أستمرار نمو قطاع الطاقه لأستمرار نمو الأقتصاد العالمي لتحاشي أنهياره بسبب ضغط الديون التي تفوق الناتج الأجمالي العالمي بثلاث مرات حيث تشمل ديون حكوميه و سندات خزانه و ديون شركات و مؤسسات و أفراد لذا لا بد من استمرار النمو الأقتصادي لضمان أستمرار تسديد الفوائد و لطمئنة الدائنين، و في حال لم يستطع الأقتصاد العالمي النمو سنكذب على أنفسنا و نطبع عمله نقديه كما حصل في تعثر النمو أثناء جائحة كورونا و هذا ما أدى لتضخم و ركود أقتصادي، أي أننا استبدلنا خلال العامين الأخيرين التضخم بالنمو الحقيقي لأبقاء سعر الفائده مستمر و عدم أثارة الهلع بين الدائنين و المستثمرين و المودعين مما يؤدي لسحب جماعي للأموال فيقود لأنهيار الأقتصاد العالمي مما يؤدي لأنهيار النظام السياسي و الهيكليه الأجتماعيه معه مما يعني فوضى شامله، لذا فالأقتصاد العالمي عالق في فخ الديون، و لعبة التضخم لا يمكن تكرارها لأكثر من سنه واحده أو سنتين و بخلافه نجازف بأنهيار الأقتصاد العالمي.

 لذا فالنموذج (الموديل) الأقتصادي الذي تمادى كثيرا في الديون خاطئ و علاجه صعب جدا أن لم يكن مستحيل، فأستمرار النمو الأقتصادي العالمي يجعل العالم اشبه بسياره تسير بأقصى سرعه بدون فرامل فهي معرضه للأنقلاب عند أي أستداره أو مطب، و هذه الأستداره هي الأحتباس الحراري الذي لا يمكن معالجته بدون وقف نمو الأقتصاد لعشرات السنين، و لكن بما أن وقف النمو الأقتصادي غير ممكن بدون أنهيار الأقتصاد العالمي بأكمله، لذا فأستمرار نمو أستهلاك الطاقه ضروري حاليا، كما أن داعمي التخفيض السريع للأنبعاثات ليس لديهم معرفه بألية تطور و أنتشار التكنلوجيا و كم تحتاج من وقت لتتحول من نموذج نظري مختبري الى أستخدام مربح تجاريا فهذا يتطلب المعرفه بتاريخ تطور الثوره الصناعيه.

 أضافة لقلة معرفتهم بالتكنلوجيا بحد ذاتها و ما تتطلبه السياره الكهربائيه مثلا من خامات و معادن نادره أحتياطاتها محدوده لتوسع أنتاجها، كما لا يمكن للطاقات المتجدده الشمسيه و الرياح أن تعمل بمفردها فالشمس شدتها مختلفه على مدار اليوم و تغيب ليلا كما تقل نسبة الأشعاع شتاءا أو في الجو الغائم كذلك الرياح لا تهب دائما، لذا تعمل الطاقات المتجدده بشكل تكميلي للغاز و الفحم، كذلك فأن وسائل خزن الطاقه لها محدداتها فلا يمكن أن نشهد اليوم الذي تعمل فيه مدينه كامله على البطاريات! و الأهم من هذا أنهم على جهل بتفاصيل الأنبعاثات نفسها فمسببات الأنبعاثات كثيره جدا و متشعبه و رغم أن 75-80% من الأنبعاثات سببها حرق الوقود الأحفوري ألا أن هناك قطاعات أخرى تسبب الأنبعاثات أيضا مثل التدفئه أو توليد الكهرباء بالوقود الحيوي أي أعتمادا على حرق الأخشاب و الحطب و الأزبال و مخلفات المحاصيل، تجريف و حرق الغابات، ضعف معالجة النفايات و مخلفات الصرف الصحي، جفاف المستنقعات مما يحرر الميثان تحتها، الزراعه و خصوصا زراعة الأرز، تربية المواشي، المبيدات و الأسمده..ألخ.

 كما أن أنبعاثات الوقود الأحفوري متشعبه و كثيره تبعا لتعقد الأقتصاد العالمي و كثرة قطاعاته من نقل و أستهلاك أبنيه و صناعه، فقطاع سيارات البنزين مثلا مسؤول عن 6% فقط من مجمل الأنبعاثات العالميه، و ضمن أكثر السيناريوهات تفاؤلا لو أستبدلنا نصف سيارات البنزين حول العالم بأخرى كهربائيه بحلول عام 2040 فسنقلل الأنبعاثات ب3% فقط و هو تخفيض ضئيل غير مؤثر في المشكله، هذا لا يعني الأستسلام و عدم محاولة تخفيض الأنبعاثات لكن يجب أدراك أن ذلك يسير بشكل بطئ و يتطلب وقت ليس بالقليل.

، لذا فعلى الأرجح أن أستهلاك الوقود الأحفوري و خصوصا النفط و الغاز لن يقل خلال النصف الأول من هذا القرن و هو ما يعني عدم القدره على خفض الأنبعاثات الناتجه عنها و بالتالي تفاقم ظاهرة الأحتباس الحراري، فيما سيشهد النصف الثاني من هذا القرن مجموعة عوامل ستقود لخفض أستهلاك الوقود الأحفوري بالتدريج منها الركود الأقتصادي الطويل بتأثير عاملي الأحتباس الحراري و تناقص زيادة السكان، ففي النهاية النمو الاقتصادي يعتمد على البيئة الاقتصادية التي يتم اهمالها حيث انه زراعة المحاصيل الاستراتيجية يعتمد على الامطار والانهر التي تقلصت كما ان صيد الاسماك يعتمد على البيئة البحرية والنهرية التي خربت اضافة للمدن الساحلية التي يسكنها 50% من البشر مهددة بارتفاع مياه البحار والمحيطات جراء ذوبان الجليد القطبين وغرينلاند لذا فالبيئة المتدهورة وثبات عدد السكان سيؤديان لوقف النمو الاقتصادي مما يجعل فقاعة الديون تنفجر و هذا قد يقود لنظام أقتصادي جديد غير قائم على النمو الدائم و قد يؤدي لأنتهاء الديموقراطيات الليبراليه الغربيه و عصر العولمه و الأقتصادات المترابطه.

 كما أن الذكاء الصناعي قد يقود لدولة الرقابه و هو نوع جديد من الدكتاتوريات الرخوه تعتمد الخوارزميات و كاميرات المراقبه لضمان تصرف المواطنين كما تريد منهم دولة الذكاء الصناعي حيث أن بوادر ذلك يحصل فعليا في الصين اليوم، و مع أنتشار الأنظمه شبه الدكتاتوريه و الأوتوقراطيه أمثال روسيا بوتين و تركيا أردوغان و الصين الشعبيه سيزداد خطر الصدام النووي. لذا وفي عالم النصف الثاني من القرن العشرين فأن أنتهاء عصر النفط أم لا سيكون أخر همنا.

فالتحديات و التغييرات العنيفه غير المسبوقه في تاريخ البشريه هي ما يجب أن نفكر فيه مثل تأثير الهندسه الوراثيه و التلاعب البيلوجي، و بكل الأحوال فأن أستخدام النفط كوقود للنقل سينتهي بنهاية هذا القرن تماما و سيبقى مجرد ماده أوليه للصناعات و هذا أيضا سيتناقص أستخدامه مع مرور الوقت نتيجة تطور عمليات أعادة التدوير و تكنلوجيا النانو التي ستكون قادره على تركيب مواد من ذرات أضافة للذكاء الصناعي الذي سيغير وجه العالم لانتشار الطباعة الثلاثية التي ستقلل استهلاك المواد الخام.

 لذا فخلاصة القول لا يمكن رؤية الأمور بعين واحده أو أعتمادا على مجال واحد فحتى تفهم الأمور و ترى الصوره واضحه يجب أن تفكر بشكل عالمي و ليس محلي و أن تلم بمجالات الطاقه و كفاءة أستخدامها و المناخ و صناعة النفط و الغاز و ألية عمل الأقتصاد و تاريخ الثوره الصناعيه و التكنلوجيه و الرقميه كما يجب أن تربط بينهم و تتخيل العوامل الحاسمه في التأثير على الأمور بما يؤدي لتحديد مسار البشريه، لذا لنعود لسؤالنا هل يجب أن تخشى الدول النفطيه نهاية هذا القرن من عجز في ميزانياتها جراء أنتهاء عصر النفط؟ الحقيقه هذا سؤال مضحك لأنه حينذاك سيتغير مفهوم الأقتصاد و الميزانيه و أحتمال مفهوم الدوله بأكمله يتغير أو ربما يضمحل وسط التحديات التي ستواجه الحضاره البشريه.


مشاهدات 421
أضيف 2022/05/18 - 4:11 PM
تحديث 2022/08/14 - 8:24 PM

طباعة
www.Economy-News