بدل تسريح العمال، العودة للاصول... والحلول
الخبير الاقتصادي ميثم العيبي

دعونا نرجع للاصول، ونبدأ بالتساؤل الذي يقول: لماذا هناك موظفين عموميين، وكم نسبتهم من السكان، وما واجباتهم؟
الوظيفة العامة هي خدمة الفرد لمجموعة السكان، وهو مسؤولية تتطلب مواصفات مميزة ترتبط بالامانة وشرف المهنة وروح الايثار والمثابرة والوطنية، اما كم علينا ان نوظف، فهذا سؤال كبير يتطلب ان نعرف ما توجهات الدولة وما حجمها المرغوب، فكلما كانت الدولة تميل للتوسع والتدخل كلما كبر حجم موظفيها، وكلما قلت وظائفها تقلص موظفيها، كما ان الوظيفة العامة لا يجب ان تتعدى نسب معينة تتلاءم وحجم السكان، تكبر وتتقلص معه، فهناك طبيب واحد مثلا لكل مجموعة من السكان، وهناك معلم لكذا عدد من الطلبة، وفق نسب علمية عالمية متفق عليها...

اما ان تساءلنا اين نحن من هذا؟ فالاجابة تقول اننا على مسافة بعيدة، فلا معنى الوظيفة العامة بعيون الافراد ينطلق من مفاهيم خدمة البعض للكل، بقدر ما تقترب من المنفعة الشخصية، ولا تحمل كثيرا من معاني والمسؤولية والامانة بقدر ما تقترب من والمحسوبية والفساد، ولا توجد ضوابط لاعداد الموظفين المقارنة بالسكان، اذ ان الحاجة ترسم وفق اطر سياسية واجتماعية اكثر منها اقتصادية وعلمية خالصة، كما ان توجهات الدولة المعلنة والرامية الى الحرية الاقتصادية واقتصاد السوق وتوسيع الملكية الخاصة واللامركزية تتناقض مع التوسعات التي شهدها القطاع العام في التعيينات وكأننا امام بلد يتجه نحو الاشتراكية والمركزية، بحيث ان البطالة المقنعة؛ والتي تعني توظفا زائدا عن الحدود المقبولة مع انتاجية منخفضة، صارت امرا بديهيا في واقع الوظيفة العامة.

تصريح وزير المالية المتعلق بضرورات تسريح العمال وان كان يخفي نوايا وتوجهات اكثر مما يعلنه من تحليلات وتنبؤات، الا انه (في ظل الافتراض الاساسي الذي بني عليه، وهو استمرار الاعتماد على الريع المتحصل من النفط)، يستند الى منطق يشير الى اننا نتحدث عن مورد يجد طلبه وتحديد اسعاره من الخارج، وتحكمه ظروف طلب وعرض عالمي لا يمكن التحكم في جل عواملها من الداخل، وما يرافق ذلك من عدم استقرار وتذبذب ينعكس بشكل سلبي على الايرادات النفطية وهي المتحكم الرئيس في النفقات العامة والتي تشكل فقرة الاجور والرواتب جزء مهم منها، ما يعني ان المصدة الرئيسة للريعية العالية يمكن ان تكون هي وسادة الوظيفة والرواتب. كما ان هذا المنطق يستند الى وجهة النظر القائلة اننا نرهن وظائفنا الى مصدر ناضب عند الاجل الطويل، وهناك قناعات راسخة ان العالم يتحول بعيدا عن هذا المورد باتجاه ايجاد بدائل اخرى اكثر استدامة واقل سعرا واكثر صداقة للبيئة.

كما ان ارتفاع اسعار النفط لن يقود الى جعل الامور افضل، بل انه يمكن ان يفاقم المشكلة في المستقبل، فكل زيادة في ايرادات النفط يمكن ان تشجع السياسيين ذوي التفضيلات الشعبوية والاجتماعية على زيادة التوظيف العام، ما يمكن ان يراكم العجز ويضاعف الديون في حالات انخفاض اسعار النفط ووارداته مستقبل، مع يعني بقاءنا بموظفين اكبر ورواتب اعلى لكن من دون قدرة على تغطيتها.

ان هذا التصريح، الذي لا يحاكي التوجهات الشعبوية، ويصطدم بجيش هائل من الموظفين الذين يشعرون ان مثل هذه التصريحات موجهة ضد دخولهم ومصالحهم، ينطلق من مفهوم علمي يستند الى التضحية بالاستدامة المالية، وهي ببساطة الحالة التي تكون فيها الحكومة غير قادرة على الاستمرار في سياسات النفقات والايرادات الحالية مدة طويلة، دون خفض في الموازنة، او التعرض لخطر الافلاس وعدم المقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية المستقبلية. وانه بناءا على توقعات الانفاق والايراد "المستقبلية" تلك لا بد ان يتم تعديل السياسات "الحالية"، سواء بخفض النفقات او زيادة الضرائب، فالاستدامة هي معادلات لحسابات طويلة من اجل اجراءات آنية.

لكن ما الذي تغافل عنه تصريح الوزير؟ ان تسريح العمال خارج تماما عن تقاليد الوظيفة العامة في العراق، والتي تكون مرنة باتجاه الارتفاع لكنها قليلة او منعدمة المرونة تجاه التقليص، بل ان حتى محاولات العزل او الاقالة لاقوى الاسباب قد تكون قليلة، وهو امر مرده رخاوة ومرونة القوانين وفجواتها الكثيرة فضلا عن ضعف تطبيقها.

أن الحلول الواقعية ليست بهذه السهولة في ضوء بيئة وعرة، وذلك في ظل عملية توظيف حكومي مبالغ بها استمرت لسنوات طويلة، على ان اهم الخطوات التي يمكن اجراءها في هذا الصدد هو ضرورة السعي لوضع ضوابط صارمة لمن يريد ان يدخل الوظيفة الحكومية سواء من ناحية الكم او النوع، واشير بوضوح الى دور مجلس الخدمة العامة الاتحادي، الذي ومن خلال تقييم اولي لطبيعة عمله وتوجهاته، نجد ان لديه نزعة نحو تشجيع التوظف العام وليس تنظيمها، واغلب تصريحاته تهلهل لانجازاته، كما ان من الحلول الاصلاحية التي يمكن التركيز عليها هو رفع انتاجية القوى العاملة في القطاع العام، وذلك مع ما تعانيه من انخفاض الانتاجية، من خلال تبني قواعد صارمة للعمل والحوافز، وربط الدخل بالانتاج او المال مقابل القيمة، كما انه من الواجب زيادة الاهتمام بالمعرفة ورأس المال البشري من خلال التدريب والتعليم، على ان ذلك يجب ان لا ينسينا اولوية مكافحة الفساد في الوظيفة العامة والحد من مظاهر التسيب والرشوة والمحسوبية في الغالب من وزارات الدولة، ومن بينها وزارة المالية ذاتها، سواء البطالة المقنعة في مركز الوزارة، او تشكيلاتها والتي تضم هيئات هامة تعاني من مشكلات الفساد بانواعه كالضرائب والكمارك والمنافذ... والتي هي من صلب اهتمامات الوزير المفترضة.

* خبير اقتصادي وأكاديمي


مشاهدات 868
أضيف 2021/12/28 - 1:09 PM
تحديث 2022/09/23 - 12:29 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 492 الشهر 65535 الكلي 2619528
الوقت الآن
الإثنين 2022/9/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير