00964 781 014 6125     info@Economy-News.net
  كيفية إنعاش الاقتصاد العالمي: الركود غير محتمل ولكنه ليس مستحيلاً
د. مهند طالب الحمدي أستاذ الاقتصاد في جامعة ولاية كنساس الأمريكية
مقالات
د. مهند طالب الحمدي*

شهد الأسبوع الأخير من شهر شباط الماضي هزة في الأسواق المالية العالمية استقيض على إثرها عالم المال والأعمال حول العالم بسبب مخاطر إنتشار وباء فايروس كورونا.

كذلك شهد الأسبوع الأول من آذار بروز صانعي السياسات في العالم وقيامهم بالعمل للتعامل مع الحالة. أدى الإدراك العام بأن من المحتمل أن يتقلص الناتج المحلي الإجمالي العالمي لجزء من هذا العام، والمخاطر التي تلوح في الأفق بسبب الذعر المالي وأزمة الائتمان، إلى دفع البنوك المركزية لخفض أسعار الفائدة بوتيرة رأيناها آخر مرة خلال الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و 2009.

في يوم 3 آذار، خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة بمقدار 0.5 نقطة مئوية، قبل أسبوعين من الإجتماع المقرر لمناقشة السياسة النقدية. كذلك خفضت البنوك المركزية في أستراليا وكندا وإندونيسيا أسعار الفائدة. ومن المتوقع أن يتبع البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا المسار نفسه. لو كانت أسواق المال تتحرك كما هو معروف، فإن المزيد من تخفيضات الاحتياطي الفيدرالي للفائدة سيكون شيئاً غير مستبعد. من المتوقع أن ينخفض ​​المقياس المركب لمعدل السياسة النقدية العالمية، الذي ينشره بنك مورجان ستانلي، إلى 0.73٪ بحلول شهر حزيران، من مستوى 1٪ في بداية العام و 2٪ في بداية عام 2019.

ومع ذلك، هناك شعور مُقلق بأن سلسلة من تخفيضات أسعار الفائدة قد لا تكون الحل لهذا الانكماش. في جزء من المسألة، يعكس ذلك الشعور بأن أسعار الفائدة منخفضة بالفعل. القاعدة الذهبية في التعامل مع الأزمات هي إنك، لكي تكون موثوقاً، يجب أن يكون لديك دائماً المزيد من الذخيرة الُمتاحة. في الفترة مابين 2008 و 2010 إنخفض معدل السياسة النقدية العالمية المركب بثلاث نقاط مئوية. اليوم، خارج الولايات المتحدة، تقترب أسعار الفائدة في الدول الغنية من الصفر أو تحت الصفر. حتى بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لديه مجال محدود لإجراء المزيد من التخفيضات. ربما يكون ذلك هو أحد أسباب فشل أسعار الأسهم في الانتعاش في الساعات التي تلت تحرك بنك الاحتياطي الفيدرالي الأخير.

ينبع التوتر أيضاً من خصوصية الصدمة التي يعيشها الاقتصاد، صدمة تنطوي على آثار العرض والطلب والثقة. تعتمد مدة الاضطراب بشكل أساسي على شدة تفشي إنتشار الفايروس وتدابير الصحة العامة المتخذة لاحتواء المرض. بوجود تلك الشكوك، يعرف صانعو السياسات أنه في حين أن تخفيضات أسعار الفائدة هي إحدى الخيارات، إلا أنهم يحتاجون أيضاً إلى تدابير مالية لمساعدة الشركات والأفراد على تحمل أزمة مؤقتة ولكن مؤلمة من ناحية شح السيولة.

إحدى الطرق التي يضر بها الفيروس الاقتصاد هي تعطيل المعروض من العمالة والسلع والخدمات. أصاب الفايروس الناس بالمرض. أجبر إغلاق المدارس الآباء والأمهات إلى البقاء في المنازل. قد تقود أوامر الحظر إلى إغلاق أماكن العمل بالكامل. ويصاحب ذلك آثار كبيرة على الطلب، قد لايمكن تجنب بعضها. المرضى لا يخرجون كثيراً من منازلهم ويشترون بضائع أقل. تقيّد تدابير الصحة العامة أيضاً النشاط الاقتصادي. منح المزيد من الأموال للمستهلكين لن يفعل سوى القليل لتعويض هذا التأخر في الطلب. سيتم إستئناف النشاط فقط عندما تنتهي موجة الوباء.

هناك تداعيات إضافية سيئة كذلك. ستواجه كلٌ من الشركات والأسر أزمة في توفر الأموال السائلة. لو نظرنا على عينة من ألاف الشركات الأمريكية المدرجة في السوق: لنتخيل أن إيراداتها قد جفت لمدة ثلاثة أشهر ولكن عليها الاستمرار في دفع تكاليف الإنتاج الثابتة لإنها تتوقع حدوث إنتعاش حاد. لن يكون لدى ربع تلك الشركات ما يكفي من الأموال السائلة الفائضة للتغلب على تلك المشكلة، وسيتعين عليها الاقتراض أو تقليص الإنتاج، وقد ينهار بعضها. وجد الباحثون في بنك التسويات الدولية، وهو منظة تجمع البنوك المركزية، أن أكثر من 12٪ من الشركات في العالم الغني تحقق دخلاً ضئيلاً للغاية لغرض تغطية دفعات فوائد قروضها.

لايملك العديد من العمال أي شبكة أمان كذلك. يخاطرون بفقدان دخولهم ووظائفهم في الوقت نفسه الذي لا يزالون مضطرين لتسديد أقساط الرهن العقاري وشراء السلع الأساسية. وفقاً لمسح أجراه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، لن يتمكن أكثر من 10% من الأمريكيين البالغين من تلبية نفقات غير متوقعة بحدود 400 دولار، وهو ما يعادل قيمة عمل لمدة يومين تقريباً في المتوسط. خوفاً من فقدان دخولهم، يمكن للناس أن يبدؤا في تكديس النقود بدلاً من الإنفاق، مما يزيد من تدهور أوضاع الشركات.

إن نمذجة الأذى النتاج عن كل ذلك على النشاط الاقتصادي ليست مهمة سهلة. أظهر مسح لمديري المشتريات في الصين، وهي البلد الذي يمتلك شهراً في تقدمه على بقية العالم من حيث تفشي المرض، أن إنتاج التصنيع في شهر شباط قد انخفض إلى أدنى مستوياته منذ أن تم البدء بالقيام بذلك المسح لأول مرة في عام 2004. يبدو من المرجح أن الناتج المحلي الإجمالي للصين سينكمش في الربع الأول للمرة الأولى منذ وفاة ماو تسي دونغ عام 1976.

يتنبأ الباحثون بهبوطٍ حاد في الإنتاج في أماكن أخرى من العالم. يعتقد بنك جولدمان ساكس، أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي سينكمش بمعدل سنوي 2.5٪ في الربع الأول. إذا كنا محظوظين،  سينتهي الركود بمجرد توقف الفايروس عن الانتشار. ولكن حتى لو حدث ذلك، فإن سرعة وحجم العودة الإقتصادية يعتمدان أيضاً على مدى تجنب الآثار الجانبية المُكلفة.

هذا هو السبب الذي دفع البنوك المركزية ووزارات المالية إلى إتخاذ تدابير أكثر تدخلاً في الاقتصاد. تنقسم تلك التدابير إلى ثلاث فئات عريضة: سياسات لضمان تدفق الإعتماد المالي بسلاسة من خلال البنوك وأسواق المال؛ تدابير لمساعدة الشركات على تحمل تكاليف الإنتاج الثابتة، مثل تكاليف الإيجار والضرائب؛ وتدابير لحماية العمال من خلال دعم تكاليف الأجور.

لنبدأ بضمان تدفق الإعتماد المالي. حاولت البنوك المركزية ومنظمو أسواق المال التأكد من أن لا تتجمد الأسواق، بل تستمر في توفير الأموال لأولئك الذين يحتاجون إليها. في يوم 2 آذار، قام بنك اليابان بعمليات إعادة شراء بقيمة 500 مليار ين (4.6 مليار دولار) لضمان توفير سيولة كافية في النظام المالي هناك. قدم بنك الشعب الصيني ضمانات إعتماد بقيمة 800 مليار يوان (115 مليار دولار، أي مايعادل 0.8٪ من الناتج المحلي الإجمالي) للبنوك طالما أنها ستستخدم تلك الضمانات لتقديم قروض للشركات التي تضررت بشدة من إنتشار الفايروس. تم الطلب من البنوك التعامل بشكل أسهل مع الشركات التي ستستحق قروضها السابقة للدفع.

كذلك تساعد الحكومات الشركات في تحمل تكاليف الإنتاج، وذلك هو النوع الثاني من التدخل. تخطط سنغافورة للقيام بإعفاءات ضريبية على الشركات، وخصومات للإيجار وحسومات في الضرائب على الممتلكات التجارية. ستمنح كوريا الجنوبية أموال سائلة للشركات الصغيرة التي تصارع من أجل دفع أجور العمال. ستقدم إيطاليا ضمانات ضريبية للشركات التي تشهد انخفاضًا في عائداتها بنسبة 25٪. في الصين، طلبت الحكومة من المؤسسات الحكومية التي تملك البنايات خفض الإيجارات ومنحت إعانات لمُلاك البنايات من القطاع الخاص ليحذو المسار نفسه.

تهدف المجموعة الأخيرة من التدابير إلى حماية العمال من خلال منع عمليات تسريحهم من أعمالهم والحفاظ على استقرار الدخول. قامت الحكومة الصينية بتخفيض مؤقت لاستقطاعات مساهمات الضمان الاجتماعي. ستدعم اليابان أجور الأشخاص الذين يضطرون إلى أخذ إجازة لرعاية الأطفال أو الأقارب المرضى. أعلنت سنغافورة عن منح نقدية لأرباب العمل الذين تأثر عمالهم بسبب تفشي الفايروس.

يتم الإعلان عن تلك السياسات بشكل متقطع، ويبدو أن مسألة وتنفيذها غير مؤكدة. ومع انتشار الفايروس، فإن من المتوقع حصول المزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة، ولكن أيضاً استخدام منظم لمجموعة أكثر تعقيداً من "العلاجات" الاقتصادية.

* أستاذ الاقتصاد في جامعة ولاية كنساس الأمريكية

عدد المشـاهدات 899   تاريخ الإضافـة 24/04/2020
أضف تقييـم
تواصل معنا
 07810146125
 info@Economy-News.net
الجمعة 2021/8/6   توقيـت بغداد
تابعنا على